الأنظمة السياسيّة وثقافة الخوف

%d8%a7%d9%94%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%ad%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%86%d9%8a

 

د.أحمد حلواني*

مع تزايد الدراسات حول أنماط الثقافة بأجناسها ومَيادينها كلّها، ظهر ميدانٌ يُعالِج موضوع ثقافة الخوف وأسباب انبعاثه في ظلّ تفتّح التوجّهات نحو الحرّية بنسقها الحضاريّ العريض وما أنتجته من أنواع الإبداع والإنجازات الثقافيّة والفكريّة المؤسِّسة للتطوّر البشريّ، في مقابل عنف الأنظمة الدكتاتوريّة المُستعينة بأجهزة المخابرات والأمن القمعيّ بالأشكال والحجج المختلفة.

 

إذا كانت الحريّة هي الشرط المسبق للحياة الإنسانية الطبيعية والإبداع والإنجازات الثقافية، فإنّ ذلك لا يعني أنّ الحريّة أمرٌ محدّدٌ في الحياة العامّة فقط، فالأساس الأوّل في إنتاج الإبداع الخاصّ والعامّ معاً هو في الحرّية الذاتية التي يتمتّع بها الإنسان .

ومع التوسّع في دراسة طرائق اكتساب الثقافة بنتائجها الإيجابية على البشرية في نشرِ وعي مستنير في المجتمع، تنبّه السياسيّون وقادة الأنظمة والتيّارات السياسية إلى أهمّيتها، فوظّفوها لإضفاء شرعيّة على سلوكهم السياسيّ، مُزاوجين بين الثقافة والفنّ الدعائي (المبتذل في أغلب الأحيان)، الأمر الذي حقَّق فائدة غير مقصودة في تضافر الظاهرة الثقافية بالظاهرة السياسية وهو ما أنشأ مفهوم "الثقافة السياسية" الذي ارتبط ارتباطاً كبيراً بالخصوصية الوطنية وبالأُسس الثقافية للديمقراطية كمنظومة سياسية متّصلة بالقيَم والتقاليد والطموحات.

من الجانب الوظيفي، صنّف كلٌّ من غابرييل الموند وسيدني فيربا بدايةً الثقافةَ السياسيّة من ضمن مجالات ثلاثة، وذلك قبل أن يضيفا إليها مجالاً رابعاً، وهي:

1. الثقافة الرعوية التي تحصر اهتمامها بالشؤون المحلّية.

2 . ثقافة الخضوع، وهي التي تركِّز على تنمية القنوع والسلبية والموافَقة والارتباط بالسلطة.

3 . ثقافة المشاركة، وهي التي تنسجم مع بُنية الحياة الحرّة و الديمقراطية.

4 . الثقافة السياسية المحسوسة، وهي خليط بين النماذج الثلاثة وقابلية العيش معها.

 

إذا كان ماكيافيلّلي قد كرّس مفهوم الثقافة السياسية التسلّطية المتلائمة مع القيم السلطوية السائدة في عصره (فلورنسا وإمارات المُدن الإيطالية) أو التي أراد تعليمها لابن أمير فلورنسا لتثبيت إمارته عليها، فإنّ مجمل الطغاة والديكتاتوريّين تبنّوا توظيف هذا المفهوم واستخدامه في تكريس سلطتهم ومنع أيّ تطوّر في هذا المجال، وذلك على الرّغم من تغيّر الظروف والمفاهيم العالمية في الأنظمة السياسية، حيث أصبحت المكيافيليّة في هذا السياق سُبّةً في الحياة السياسية. ولعلّ هذا ما أدّى إلى تعميم ثقافة الخوف السياسي، وتحويلها إلى ثقافة عامّة في المجتمع تشمل جميع نواحي الحياة.

لقد اتّبعت الأنظمة الشمولية حججاً متنوّعة بغية تجاوُز مطالِب الحرّية والعدالة الاجتماعية، فكان أن تّمت التضحية بالحرّية من أجل الخبز، وخسرت المجتمعات الاثنين معاً، أي العدالة والخبز، وجاءت النتائج لتبرهن أنّ الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة لا يُمكن أن تقود إلى عدالة اجتماعيّة. فالفاسد لا يستطيع أن ينشر إلّا الفساد، مُستخدِماً وسائل الترهيب كلّها.

وفي ظلّ هذا الخوف الذي يخيِّم على الحياة العامّة، تمثّل التربية المفتاح الأنجع لمواجَهة الخوف والانتصار على الديكتاتورية، فقد اجتهد أساتذة التربية وخبراؤها في وضع مجموعة خصائص أساسية لتربية الإنسان الحرّ في إطار عالَم التربية المُعاصِر، والتي نستطيع أن نجملها على النحو التالي وفق خلاصة ما اتّفقوا عليه:

 

1 .التأهيل البدني والعقلي للإنسان الفرد، بما يؤهّله للنضج العاطفي والتحكّم الانفعالي لمواجَهة حالات الإحباط والقلق المؤدّية إلى التقهقر الذاتي.

2 . ترقية القابليّات المتنوعة والمتكاملة، العقلية أو الطبيعية، وذلك بما يُسهِم في القيام بردود فعل إيجابيّة سريعة باعتدالٍ إيجابيّ وتفكيرٍ عميق والاعتياد على الصبر.

3 . تنمية القدرة على مواجَهة المشكلات والصعاب نتيجة الثقة الفاعِلة بالنفس.

4 . التمتّع بثقافة فكرية تفتح المجال واسعاً للحضور المؤثِّر في المجالات العامّة.

5 . مشاركة اجتماعية فاعلة مع شعور إنساني واسع الطيْف، مهمّته حفْظ القيَم بأنساقها كافّة.

6.التعامل مع الآخرين في إطار العلاقات الإنسانية والاعتراف بالآخر واحترام الاختلاف.

7 . الاستعداد الدائم لقبول التغيّرات ومواجهتها بالإجراءات اللّازمة سواء بالتصويب أم المُعالَجة أم القبول، مع قدرة على وضع الذات موضع النقد والتساؤل، وتقبّل تغيّر الدور المنوط بنا.

8. فتْح مجال المخيّلة الإبداعيّة والحرّة لاستنباط حلولٍ وآفاق جديدة ومُتابعة إيجابية لكلّ جديد.
9. فتح مجال التعلّم المفتوح، أي أن يكون الإنسان مُواكِباً دوماً لعلوم العصر ومعارفه، فضلاً عن قدرته على مُقارَبة الواقع والحاضر وتأسيس رؤى ومفاهيم جديدة تتماشى مع المستجدّات.

وقد وُضعت هذه الأهداف التربوية لضمان حرّية الإنسان وتحقيق صورته الإنسانية، وليكون مُتلائماً مع الحاضر، ومُندمجاً بشكل إيجابيّ مع العصر وإنسانه.

إنّ التربية على الحرّية التي ذكرنا خصائصها الأساسية لمواجَهة الخوف وثقافته، يحتاج تحقيقها إلى انتصار الإرادة الإنسانية في مواجهة الطغاة وآليّاتهم. تلك الآليّات المُخيفة التي تركِّز على حشو الدماغ بأكاذيب ملفّقة ومكرّرة على طريقة غوبلز، وبضخّ معلومات وشعارات كبيرة برّاقة يستحيل تنفيذها، مع كبت وعنف من أجهزة الأمن يصعب مواجَهتهما.

ولا بدّ من الاعتراف بأنّ اتّباع الإنسان للأنظمة الموضوعة لتنظيم الحياة العامّة، هو أمر يتمّ على حساب الحرّية الشخصية. وعليه، فإنّ المُخاطَرة المفرطة في سبيل الحرّية قد تؤدّي إلى هدم بُنية الحياة الاجتماعية كلّها، وهو ما بات بعض المجتمعات يُعاني منه، فضلاً عن خلخلة النظام العامّ الذي تشرف على تطبيقه الدولة، وهو ما يستدعي دراسة العلاقة بين المُخاطَرة والتنظيم، كما هو الحال بين الحرّية والمُخاطرة.

فتنظيم الدولة يوضَع من قبل الإداريّين المسؤولين في أجهزة الدولة بقصد تسيير الأمور الحياتية بنظام مقنَّن، لكنّه يتحوّل لديهم إلى غاية، وهو الأمر الذي يجعله بمنزلة إطار بيروقراطي مزعج يُفقد الإنسان بعضاً من حرّيته، ويجعله يتحرّك من ضمن نطاق الممنوعات، مثقلاً بالتعليمات وتبريراتها، وبالتفسيرات التي تصدر باستمرار بملاحق وقرارات وتعميمات تُسهم في التعمية والغموض.

ولهذا، فإنّ أنصار التنظيم الشمولي المُتربّعين على كراسي الحُكم ينشرون مظاهر الخوف كلّها بحجّة أنّ المُخاطرة تؤدّي إلى الفوضى، أو إلى تفجير البراكين التي قمعوها بمهاراتهم، وقيادتهم التي ينعتونها بالحكيمة! فيتّهمون دعاة الخروج عن تنظيماتهم بالآثمين أو الخارجين عن القانون وتصبح عند السلطات الشمولية إرهاباً أو جنحاً في أبسط الأحوال. في حين أنّ لدى البشر باستمرار الطموح إلى انتزاع الذات من التقليد العقيم، وأنّ مواكَبة التطوّر العالَمي هو أمر حياتي من أجل التغيير والحركة المولِّدة للفكر والإبداع.

 

الإبداع ليس وليد الفوضى

 

من منطلق أنّ الحرّية ليست ضدّ التنظيم وأنّ الإبداع ليس وليد الفوضى، نستطيع هنا العودة إلى قول مونييه أستاذ الفلسفة في جامعة نيس: "إنّ الحرّية تُهاجِر نحو قطب التقرير، وهي حينما يخفَّف عنها عبء الإعداد وتوزيع المهمّات المتوسّطة، تتوحّد مع التقرير الذي هاجرت إليه، بحيث تجد على هذا النحو ماهيّتها الذاتية من جديد؛ فالحرّية لا تنفصل عن المُخاطَرة، والمُخاطَرة لا تنفصل عن الحيطة، والحيطة تعني التقدير الإجرائي وليس الجبن أو الخنوع كما يريدوننا أن نعيش".

يُمكننا أن نخلص إلى القول إنّ الحرّية والدولة مفهومان مُتصالحان؛ فالحرّية تؤكّد ذاتها بقوّة تجاه ما ينفيها، لأنّ حياتها تتعلّق بضدّها، ما دمنا نريد أن نعطي للحياة باستمرار نكهة وطعماً خاصّاً، هو النضال من أجل الحياة الحرّة، ألَم يقلْ العرب إنّ الضدّ يُظهر حُسنه الضدُّ؟!

لقد جابَهت الحرّية عبر مسيرة التاريخ أنواعاً متعدّدة من القمع، كالاستعمار والتمييز العنصريّ والرقّ والعبودية والتطهير العرقيّ وغيره، لكنّها الآن تُواجِه أنواعاً جديدة ومختلفة يُمارسها دكتاتوريّون من الداخل أصابهم مرض السلطة والتسلّط، فوضعوا تنظيمات تقيِّد المجتمع ومنعوا الخروج عنها ومنها، وجعلوا السير نحو الحرّية مُخاطَرة في مواجَهة تنظيماتهم وتقييداتها؛ ما يجعل بلوغ الحياة الحرّة عمليّة نضالية تغتسل بالحيوية والإبداع والتجديد ونكران الذات.

أخيراً أستطيع القول إنّ إطلاق حرّيات التنظيم في المجتمعَين المدنيّ والسياسيّ هو المشهد المنفتح لمسار الحرّية والازدهار للمجتمعات. وإن الحركة المجتمعية المُشبعة بأفكار الحرية والثقافة المُبدعة في أجوائها، ستحول دون ديمومة الأنظمة الاستبدادية واستمرارها؛ مع التأكيد على أنّ بنية الدولة القائمة على أنظمتها، لا تتعارض مع حقّ المواطنين بالمُخاطَرة الإبداعية، بما فيه العصيان السياسيّ والمدنيّ. فالعملية الديمقراطية عبر المجالس التشريعية المُنتخَبة، هي عملية أساسية قابلة للتطوير والتوسيع والتغيير باستمرار، لأنّها الركن الأبرز والأقوى في المُمارَسة الديمقراطية.

 

*كاتب من سوريا

 

 

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف