صراع الفرنكوفونيّة والأنغلوفونيّة في المنطقة المغاربيّة

%d8%a5%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%86%d9%8a

 

د.إدريس لكريني*

عندما دخل المُستعمِر الفرنسيّ إلى المنطقة المغاربيّة في سياقات مختلفة، لم يتوقّف عمله على بسط القوّة بمفهومها العسكريّ فقط، بل سعى إلى طمس الهويّة الوطنيّة والثقافيّة للشعوب عبر مختلف السياسات والتدابير المُفضية إلى تأبيد هذا الاحتلال وتكريسه، مستغلّاً في ذلك مختلف المداخل القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة..

بعد رحيلها عن المنطقة، تركت فرنسا خلفها الكثير من المؤسّسات والمقاولات والنُّخب التي تخدم ثقافتها ومصالحها المختلفة؛ فعلاوة على المنظومة القانونية المغاربية التي تستمدّ جزءاً كبيراً من مقوّماتها من نظيرتها الفرنسية، وسبل التدبير الإداري، والنّظام التعليمي الذي يعتمد الفرنسية بشكلٍ أساسيّ…، برزت العديد من المراكز الثقافية والمؤسّسات التعليمية الفرنسية في المنطقة، وهو ما أتاح لها المُحافظة على امتداداتها الثقافية بحُكم العلاقات الاقتصادية التي تدعم هذه التوجّهات.

نجح المُستعمِر إلى حدّ كبير في توطين لغته في المنطقة، وهو ما جعلها حاضرة وبقوّة، على الرّغم من رحيله، وبخاصّة في الجزائر التي دام فيها الاحتلال لأكثر من قرنٍ وربع القرن من الزمن. وفي الوقت الذي اختارت فيه الكثير من الدول الإفريقية اعتماد اللّغة الفرنسية كلغة رسمية وواضحة ساعدتها بصورة ملحوظة على توحيد مجتمعاتها المطبوعة بالتنوّع العرقي والإثني اللّغوي، ثمّة مُفارَقة كبيرة في المنطقة المغاربية، بين دساتيرٍ تَعتبر العربية لغةً رسمية للبلاد، وواقعٍ مغاير يكرِّس تهميش هذه الأخيرة في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، ويدعم إيلاء الأهمّية للّغة الفرنسية في عدد من المعاملات والمجالات في القطاعَيْن العامّ والخاصّ.

وفي سبيل تعزيز هذا الوجود والامتداد، تمّ إحداث المنظّمة الفرنكوفونيّة منذ عام 1970؛ وهي تضمّ بين جنباتها عدداً من المُستعمرات الفرنسية السابقة، وتسعى إلى تعزيز الحضور الفرنسي في مختلف المناطق، حيث ترصد إمكانات مالية وتقنية مهمّة في هذا الصدد.

إنّ الحديث عن الفرنكوفونية لا يحيل إلى اللّغة بحمولتها الحضارية فقط،  بل يتّصل بنسقٍ ثقافي يسوّق في إطار مشروع لا يخلو من توجّهات وخلفيّات "توسّعية" تكرِّس التّبعيّة بالمنظور السياسي والاقتصادي والثقافي.

اللّغة الفرنسيّة ورياح العَولَمة

لئن شهد العالَم منذ بداية التسعينيّات من القرن الماضي تحوّلات وتطوّرات استراتيجيّة في إطار العَولَمة، مع ما يحيل إليه الأمر من تداعيات وانعكاسات عسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية، فإنّ فرنسا اتّخذت مجموعة من التدابير والإجراءات الرامية إلى حماية مقوّماتها الثقافية في مواجَهة التحدّيات الجديدة التي أصبحت تفرضها العَولَمة. غير أنّ رياح العَولَمة، وبالنّظر إلى قنواتها الجارفة، كانت أقوى من كلّ التدابير؛ حيث تراجعت اللّغة الفرنسية أمام تمدّد نظيرتها الإنكليزية، وأضحت تحتلّ بذلك المرتبة التاسعة من حيث الانتشار والمقروئية عالميّاً؛ فيما أصبحت اللّغة العربية تتموقع في المرتبة السادسة، واستأثرت اللّغات الصّينية والإنكليزية والهندية والإسبانية والرّوسية بالمراتب المتقدّمة تباعاً.

خلال هذه المرحلة، بدأ الحديث عن مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي طرحته الولايات المتّحدة الأميركية في مقابل مشروع البحر الأبيض المتوسّط الفرنسي. وفي خضمّ هذه المتغيّرات، أضحى الصراع بين المنظومتَين أكثر وضوحاً وحدّة من السابق؛ واتّخذ دلالات ثقافية واقتصادية وسياسية أيضاً، بين توجّه فرانكوفونيّ تقوده فرنسا مدعومةً ببلجيكا و"الكيبك" في كندا وسويسرا وغيرها من البلدان في مناطق مختلفة من العالَم، وآخر أنغلوساكسونيّ تقوده الولايات المتّحدة الأميركية ومجموعة دول الكومنولث. وقد استُثمرَت اللّغة بشكل كبير في هذا الصراع بين الجانبَيْن. فنرى فرنسا تُبدي تحفّظاً وحذراً كبيرَيْن إزاء التمدّد الكبير للّغة الإنكليزية وثقافتها في مناطق مختلفة من العالَم، وبخاصّة في المناطق الحيويّة بالنسبة إليها، والتي ظلّت الفرنسية حاضرة فيها بقوّة لعقود عديدة، كما هو الشأن بالنسبة إلى الدول الإفريقية بشكلٍ عامّ، والمنطقة المغاربية بشكل خاصّ.

أضحت الولايات المتّحدة الأميركية ومنذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) تخصِّص إمكانيّات كبيرة في سبيل تحسين صورتها وتعزيز حضورها اللّغوي والثقافي في عدد من مناطق العالَم. ولا تخفي هذه الدولة اهتماماتها المتزايدة بالمنطقة المغاربية بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي وإمكانيّاتها وفرصها الاقتصادية المختلفة.

وعلى الرّغم من الجهود التي تبذلها فرنسا في سبيل تعزيز وجودها الثقافي في المنطقة، تشير الكثير من الدراسات والأبحاث إلى تنامي اهتمام الشباب المغاربي باللّغة الإنكليزية منذ سنوات التسعينيّات، ولاسيّما مع الانفتاح الذي طاول وسائل الإعلام المرئية، وتزايد الإقبال على شبكة الإنترنت التي تضمّ معطيات هائلة باللّغة الإنكليزية، فضلاً عن ازدياد المراكز الثقافية العائدة لبعض البلدان الأنغلوساكسونية في المنطقة، واعتناء المدارس الخاصّة والمؤسّسات بتدريس الإنكليزيّة، علاوة على الفُرص التي أصبح يتيحها ذلك على مستوى ولوج سوق العمل في عدد من الأقطار الغربية وداخل الشركات الكبرى العابرة للحدود أو المنظّمات التي تشترط إتقان هذه اللّغة.

وتؤكّد الوقائع أنّ اللغة الفرنسية فقدت في خضمّ هذه التحوّلات الكثير من بريقها، ولم تعُد تحظى بالأهمّية والانتشار اللّذَيْن حظيت بهما في السابق، بل إنّ هناك نسبة من الباحثين والمفكّرين الفرنسيّين الذين ينشرون أبحاثهم ويقدّمون محاضراتهم باللّغة الإنكليزية التي أضحت لغة العصر والتكنولوجيا الحديثة. كما أنّ غالبيّة الدراسات الأكاديمية في عدد من العلوم الحقّة والاجتماعية ومجال التكنولوجيا تصدر بالإنكليزية؛ فيما أضحى سوق العمل في المجال السياحي والاقتصادي والصناعي والخدماتي والتكنولوجي يتطلّب إتقاناً للّغة الإنكليزية.. علاوة على أنّ اللّغة الإنكليزية أصبحت تتبوّأ مكانة الرّيادة على مستوى التواصل في العلاقات الدولية في عالَم اليوم.

في خضمّ هذه المعطيات، بدأت السياسات التعليمية في الدول المغاربية تتّجه إلى الاهتمام بالإنكليزية، وجعْلها إجبارية في بعض التخصّصات العلمية والأكاديمية. وأمام تمدّد اللّغة الإنكليزية بهذه الصورة المُلفتة في عدد من مناطق العالَم، تزايد تحذير التيّارات الفرنكوفونية من خطر الانصهار في الثقافة الأميركية.

من المؤسف أن تظلّ المنطقة المغاربية فضاءً للصراع الثقافي الفرنكوفوني – الأنغلوساكسوني، ولاسيّما أنّ هذا الصراع ينعكس بالسلب على حضور اللّغة العربية نفسها. في الوقت الذي تؤكد فيه التقارير والدراسات أنّ هذه اللّغة (العربية) أصبحت تستأثر بمكانة متقدّمة من ضمن لائحة اللّغات العالمية الأكثر تداولاً واستخداماً في شبكات الإنترنت؛ إذ ازداد اهتمام الدول غير العربية بها من خلال برمجة تدريسها داخل مختلف المؤسّسات التعليمية والجامعية، وتأسيس قنوات إعلامية دولية مرئية ومسموعة باللّغة العربية.

ولا يستبعد البعض الانعكاسات الإيجابية لتشجيع الإنكليزية في المنطقة على المستوى الاقتصادي والعلمي وتعزيز التقارب والتعاون بين المنطقة المغاربية ونظيرتها المشرقية. غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يتمّ على حساب اللّغة الرسمية، وخصوصاً أنّ أهمّيتها قد ازدادت على الصعيد الدولي.

النهوض باللّغة العربيّة والانكفاء على الذات

تميّزت التدابير المتَّخذة من أجل دعم اللّغة العربية في المنطقة بالارتباك عموماً، فيما ظلّت الفرنسية حاضرة، وبقوّة، داخل المؤسّسات الإدارية ومنظومة التعليم في القطاعَين العامّ والخاصّ. فعدد المجلّات والصحف الصادرة باللّغة الفرنسية يحتلّ وزناً متقدّماً داخل مختلف الدول المغاربية، والأمر عينه ينطبق على المواقع الإلكترونية الإخبارية والثقافية. وهو ما دفع الكثير من المثقّفين للمطالبة بالموازَنة بين الانفتاح على اللّغات العالمية الحيّة من جهة، ودعم اللّغة العربية إلى جانب اللّغة الأمازيغية، والنهوض بهما كسبيلٍ لتحصين الذات وإثراء الثقافة من جهة أخرى.

إنّ النهوض باللّغة العربية وتأهيلها وتعزيز وظائفها ميدانيّاً لا يعني الانكفاء على الذات في عالَم مُنفتح ومُتشابك، بل هو السبيل الكفيل بوضع حدّ لهذا التهافت الثقافي على المنطقة، وتحويله بذلك إلى عامل إثراء للثقافة في المنطقة المغاربية.

وتشير المعطيات الإحصائية إلى أنّ عدد المتحدّثين باللّغة العربية يناهز نصف مليار من سكّان الأرض، حيث تتموقع هذه الأخيرة في مرتبة متقدّمة على المستوى العالَمي، بعد الإنكليزية والصينية والهندية. في المقابل، تؤكّد الإحصاءات والتقارير أنّ اللّغة العربية تتقدّم على الكثير من اللّغات الحيّة على مستوى الاستخدام والتواصل في شبكة الإنترنت، وهي مؤشّرات تُبرِز أنّ المُراهنة على هذه اللّغة تظلّ كبيرة في الحاضر والمستقبل.

لا شكّ أنّ الانفتاح على اللّغات العالميّة الحيّة هو انفتاح على المحيط الخارجي، بما ينطوي عليه من اطّلاع على حضارات وتقنيّات وتجارب وثقافات ومعارف إنسانية مختلفة. كما أنّه يشكّل مدخلاً أساسياً للاستفادة من العلوم الحديثة والتطوّرات التي لحقت مجال التكنولوجيا ودعم البحث العلميّ في المنطقة.. غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يتمّ على حساب اللّغة العربية.. وثمّة الكثير من الدول التي لم يمنعها الانفتاح على اللّغة الإنكليزية من تطوير لغاتها المحلّية والمُحافَظة على مقوّماتها الثقافية في أبعادها المختلفة كما هو الشأن بالنسبة إلى ماليزيا.

* مدير مختبر الدراسات الدوليّة حول إدارة الأزمات- المغرب

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف