الانتفاضة الثالثة للشعب الفلسطيني

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%8a_1

 

د. محمود العلي*

أظهرت البيانات التي أوردها مركز الإحصاء الفلسطيني، مطلع العام 2016، أنّ عدد المواقع الاستيطانيّة والقواعد العسكريّة الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة بلغ، في نهاية العام 2014، نحو 413 موقعاً، منها 150 مستوطنة، و119 بؤرة استيطانيّة. هذا، وصادقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 2015 على بناء أكثر من 4,500 وحدة سكنيّة في محافظات الضفّة الغربية، عدا عن تلك التي تمّت المُصادَقة عليها في القدس.

يجري ذلك في الوقت الذي لا تسمح فيه سلطات الاحتلال للفلسطينيّين بالبناء، وتضع العراقيل كافّة، الأمر الذي يشدِّد الخناق على التوسّع العمراني للفلسطينيّين، بخاصّة في القدس والمناطق المسمّاة (ج)، والتي تزيد مساحتها على 60% من مساحة الضفّة الغربية، والتي ما زالت تقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، فضلاً عن جدار الضمّ والتوسّع العنصري الذي عَزَل أكثر من 12% من مساحة الضفّة الغربية. كما تشير المؤسّسة ذاتها إلى أنّ عدد المستوطنين في الضفّة الغربية بلغ 599,901 مستوطن في نهاية عام 2014، وإلى أنّ حوالي 48% من المستوطنين يسكنون محافظة القدس، حيث بلغ عـددهم حوالي 286,997 مستوطناً، منهم 210,420 مستوطناً في مدينة القدس. وتشكِّل نسبة المستوطنين إلى الفلسطينيّين في الضفّة الغربية حوالي 21 مستوطناً مقابل كلّ 100 فلسطيني، في حين بلغت أعلاها في محافظة القدس، حوالي 69 مستوطناً مقابل كلّ 100 فلسطيني.

لم يقتصر الأمر على توسُّع الاستيطان والاستيلاء على أرض فلسطين، بل تجاوزه عبر التعدّي شبه اليومي على الفلسطينيّين، بمَن فيهم الأطفال الباقين في أرضهم ووطنهم. وقد تمظهرت أبشع صُور هذا التعدّي في عددٍ من العمليّات والجرائم البشعة التي قام بها المستوطنون ضدّ أبناء الشعب الفلسطيني بمَن فيهم الأطفال، ومن أبرز هذه العلميّات قيام مستوطنين متطرّفين يوم 2 تمّوز (يوليو) 2014 بخطف الطفل الفلسطيني محمّد أبو خضير من حيّ شعفاط في القدس، وتعذيبه وإحراقه وهو على قَيد الحياة. وقد عُثِر على جثّته في أحراش دير ياسين، ويُعتقد أنّ دوافع المستوطنين أتت انتقاماً من خطف ثلاثة مستوطنين في منطقه الخليل. وأعقبت عمليّة الخطف والقتل موجةُ احتجاج واسعة في مناطق عديدة في مدينة القدس.

في الإطار الهمجيّ نفسه، قامت مجموعة من المستوطِنين بحرق عائلة دوابشة بنهاية شهر تمّوز (يوليو) في قرية دوما، التابعة لمحافظة نابلس في الضفّة الغربية. وقد توفّي الرضيع علي وعمره 18 شهراً، وأُصيب والداه وأخوه أحمد (4 سنوات) بجروح خطرة، وتوفّي بعد ذلك والد الطفل وربّ العائلة سعد دوابشة في مستشفى سوروكا في بئر السبع. وبحسب ما أُعلِن لاحقاً، توفّيت يوم 6 من شهر أيلول (سبتمبر) الأمّ ريهام حسين دوابشة في مستشفى تلّ هشومير في مدينة تلّ أبيب. وفي شهر (سبتمبر) 2015، قام الجانب الإسرائيلي بعددٍ من الخطوات تتعلّق بالمسجد الأقصى؛ ففي 9 أيلول (سبتمبر)، صدر عن وزير الدّفاع الإسرائيلي قرارٌ بحظر مصاطب العلم والرباط في الأقصى، وفي 14 أيلول (سبتمبر) اقتحم وزير الزراعة الإسرائيلي أوري آرئيل المسجد الأقصى بصحبة أربعين إسرائيليّاً، وفي 17 أيلول (سبتمبر) اقتحمت وحدات خاصّة وعناصر المُستعربين، ومن بينهم عشرات من شبيبة حزب اللّيكود الحاكِم، باحات المسجد الأقصى.

إنّ ذلك كلّه أدّى إلى اندلاع الانتفاضة الجديدة التي أطلق عليها البعض اسم انتفاضة السكاكين، أو انتفاضة القدس، أو انتفاضة الشباب، فيما أطلق عليها البعض الآخر لقب الهبّة الشعبيّة. وهي الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثالثة التي بدأت، في1 تشرين الأوّل (أكتوبر) من العام 2015، بعمليّة عسكريّة قرب مستوطنة إيتمار اليهودية شرق نابلس، والتي قُتل فيها ضابط احتياط كبير في جيش الاحتلال الصهيوني وزوجته. وقد استمرّت هذه الانتفاضة، عبر العمليّات الفرديّة وأحياناً الثنائيّة، وجرى دعهما من خلال الفعاليّات الشعبية في مناطق جغرافية عدّة في فلسطين الكبرى، بجهاتها الأربع، من النواة الأولى وهي المدينة المقدّسة (القدس الشريف)، ومحافظات عدّة في الضفّة الغربية المحتلَّة بما فيها: نابلس والخليل وجنين وطولكرم وقلقيلية وأريحا، ورام الله، وبيت لحم، وقطاع غزّة، وكذلك في الساحل الفلسطيني في يافا واللّد وغيرها، وفي المثلّث في أمّ الفحم والطيبة وغيرها، وفي الجليل في الناصرة وغيرها، والنقب وسواها من مناطق فلسطين. وبغضّ النّظر عن مسمّياتها المختلفة، فقد مثَّل هذا النَّوع من مواجهة العدوان الصهيوني، إحدى ابهى صُور الوحدة الكفاحيّة للشعب الفلسطيني في مختلف مناطق الاحتلال؛ حيث امتدّت جذوة التصدّي إلى مناضلين من فلسطينيّي العام 1948، كما أدّت في كثير من الحالات إلى تراجع حالات الاعتداء على الفلسطينيّين من قبل المستوطنين، الذين بات بعضهم يخشى السَّير في الشوارع من دون حماية في المناطق التي يوجد فيها الفلسطينيّون.

 

هل تؤدّي الانتفاضة إلى إعادة بعث المشروع الوطني؟

في المقابل، شهدت السنوات الماضية سلسلة من المتغيّرات تتعلّق بعدم التّوافق بين مختلف أطراف الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة حول آليات النضال المُشترَكة ضدّ المشروع الصهيوني. وقد تمثَّلت التباينات في اختلاف التقييم لطبيعة آليات الصراع مع المشروع الصهيوني. وقد عزَّز التباين تكريس نموذج لسلطتَيْن تديران المواجَهة مع الكيان الصهيوني: الأولى ممثَّلة بالسلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، والثانية ممثَّلة بحماس في قطاع غزّة. كما أنّ طبيعة المواجَهة وآليّاتها بقيت محكومة برؤية السلطتَيْن لكيفيّة التعامل مع العدوّ الصهيوني.

هذا، وبقيت آليات المواجَهة بين الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة محدودة، وذلك في إطار مواجهات رمزية على حدود غزّة رسمها الاحتلال، فضلاً عن المواجَهة القتاليّة التي تحدِّد آليّاتها سلطة حماس، وبالتالي ضبط أيّ عمليّات عسكرية تسعى لمواجَهة إسرائيل خارج النَّواظم التي تحدِّدها السلطة المذكورة كما حصل في عام 2014. كما حدَّدت السلطة الفلسطينية بدورها، من خلال قيادتها التي أعلن الرئيس عبّاس صراحة سياستها الدبلوماسية، وجِهة المواجَهة مع الكيان الصهيوني، على الرّغم من اعتراف عبّاس بأنّ العدوّ الصهيوني لن يسعى لإنجاز حلّ الدولتَيْن، وأنّ الاستيطان في مناطق الضفّة الغربية يتمادى، بحيث جرى الاستيلاء على معظم مساحة الضفّة.

على الرّغم من ذلك إذاً، أعلن عبّاس في أكثر من مناسبة رفضه المطلَق لإنهاء التنسيق الأمني مع الاحتلال، بل وأكثر من ذلك، لجأ المسؤول الأمني للسلطة إلى إجراء عمليّات لمنْع مواجَهة المحتلّ الإسرائيلي، مثل اعتقال مناضلين بحجّة استعدادهم للقيام بعمليّات ضدّ الاحتلال.

إنّ هذه السياسة التي تمّت بطلب أميركي، أسهمت في ضبط آليات المواجَهة الكفاحيّة التي بدأ الشعب الفلسطيني يمارسها في مواجَهة الاحتلال خلال السنتَيْن الماضيتَيْن، والتي تمثَّلت في استخدام الأدوات المتيسّرة لمواجَهة قوّات العدوّ الصهيوني ومستوطنيه. وبالتالي، بدا كأنّ الإسرائيلي يضع كلّ إمكانيّاته لتثبيت الوضع الراهن في السيطرة الأبدية على الشعب الفلسطيني، ما دفع جيل الشباب لتعبئة الفراغ السياسي الناجم، بما امتلكوه من براءة وبساطة، مُعلنين ثورة ظنّوا أنّ الفصائل ستلتحق بها. وبرأي المحلِّل السياسي الفلسطيني المُقيم في غزّة أكرم عطا الله، فإنّ "الشباب تُرِكوا وحدهم في المواجَهة أمام حسابات المصالح الكبرى، واصطفَّت الفصائل على الجدار ترقب وتحسب الربح والخسارة، مبتعدةً عن النزول بما تملكه من إمكانيّات هائلة من شأنها أن تجعل الأرض تهتزّ تحت أقدام الاحتلال. ولكنّ الحسابات الصغيرة كانت أكبر من الحسابات الكبرى، وظلّت الفصائل تُحرِّض الشباب من دون أن تهبط من علياء المصالح والمناصب، غير مُدرِكة أنّ اللّحظات حانت لإحداث اختراق في الجدار الحديدي الذي وضعه الاحتلال متمثِّلاً بانسداد الأفق".

وعلى الرّغم من مُلاحَقة المُشاركين في أعمال الانتفاضة واستهدافهم، والضَّغط المزدوج من الاحتلال والسلطة بالاعتقالات، ومنْع التجمّع والتّظاهر، ومنْع المُشارَكة الرسمية للفصائل في الانتفاضة، إلّا أنّ الشبان استمرّوا في الانتفاضة، بما يشير إلى الإرادة الصَّلبة التي يتمتّع بها الشعب الفلسطيني. وكانت أبرز مظاهر الحالة الكفاحية المتقدّمة، ما قام به المناضل فادي القنبز، ابن جبل المكبر في القدس، وذلك في عمليّة دهس لجنود الاحتلال أدَّت إلى مقتل بعضهم وجرح الآخرين؛ تلك العمليّة التي أسهمت في إرباك الحكومة الصهيونية، التي عمدت إلى اتّخاذ سلسلة إجراءات ضدّ أهله وبيته ومحبّيه، وصولاً إلى مَن احتفل بعمليّته البطوليّة التي لن تكون الأخيرة في ظلّ فشل الفصائل في إيجاد إطار مُشترَك للنضال الوطني الفلسطيني.

 

*أستاذ السوسيولوجيا في الجامعة اللبنانيّة

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف