ترامب وسياسة ابتكار العداوة

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1

 

أحمد جابر*

يُمكن وصف انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّه انتخاب لحظة أميركيّة مضطّربة، أو لحظة عدم تطابق النتائج مع المقدّمات، وعدم استجابة الوقائع المتحقِّقة للتوقّعات التي سبقتها. لقد نجم عن بُطلانِ استطلاعات الرأي الأميركيّة وضعُ مفاجأةٍ وإرباكٍ، وأصيبت السياقات السياسيّة العاديّة المُنسابَة بسلاسةٍ بتموّجٍ غير محسوب، واتّسعت رقعة الارتدادات لتصل من البلاد الأميركيّة إلى شتّى أنحاء المعمورة. لقد ساد الترقّب والانتظار العواصم العالميّة التي انشغلت بحسابات الخطوة الأميركيّة الرسميّة الأولى، بعدما كان قد وصل إلى مسامع إداراتها سيل الكلام الخطابي الذي شكّل مادّة وصول ترامب إلى مفاتيح السلطة في واشنطن العاصمة.

ترامب المرشَّح كان عدائيّاً بمقاييس اللّغة، ولم يكن ودِّياً وفق روزنامة الأهداف، وكان غير طبيعي وفق معايير السياسة الداخلية والخارجية. هذا الرئيس الذي قيل "إنّه اكتسب أصول العمل في عالَم يعيش فيه الناس في عوالِم منفصلة… وغيرهم يعيش في عالَم وقائع متباينة"، صار بعد انتهاء عمليّة فرز الأصوات رئيساً لكلّ العوالِم المُشار إليها، ما كان منها عالَمه المنفصل، وما كان منها عالَم الوقائع المُغايرة، لذلك بات الاهتمام مُنصبّاً على أداء الرئيس المفاجئ، وعلى ترقّب خططه وتوجّهاته السياسيّة التي قد تكرّس انفصال عالَمه المنفصل، وقد تنجح في إقامة جسور اتّصال مع العالَم الآخر، أي ذاك المُغاير للعالَم الذي يستقي منه ترامب معلوماته، ويقيم على أساسها حساباته.

 

لكن وبعد الفترة الوجيزة التي أمضاها رئيس أميركا رئيساً، ما زال النَّظر مشدوداً إلى بداياته، أي إلى قراراته الأولى، وتصريحاته المتوالية. الانطباع الغالِب الذي ما زال لصيقاً بالاحتمالات الترامبيّة، هو انطباع ابتكار العداوة، أو توسيع جبهة الخصوم في الداخل الأميركي، وفي القارّة الأوروبية، ومع باقي الدول التي وضعها "مفهوم ترامب" في خانة المنافَسة أو الخصومة أو الشراكة المُزعجة.

 

على صعيد الداخل الأميركي، تظهر خصومة ترامب مع التاريخ الأميركي ذاته، أو مع الحلم الأميركي، كما يحلو القول لبعض الكُتّاب الذين واكبوا الحملة الأميركية. بعضٌ من مظاهر هذه الخصومة مع التقليد الأميركي، أن يُسأل المشارِك في تجمّع انتخابي لترامب عن رأيه قبل أن يُسمَح له بالدخول، أو أن يُطرَد مُشارِك محتجّ على مضمون الكلام السياسي، ومن دون أن يُسمح له بارتداء معطفه. لقد باتت أميركا مع ترامب عاجزة عن النقاش الهادئ مع مَن يختلف معها في الرأي، بما يعني أنّ "الهويّة الأميركيّة" قد أُصيبت في مضمونٍ جوهري من مضامينها، وممّا يعني أيضاً أنّ شعار "أميركا أوّلاً"، الذي أراد من خلاله ترامب أن يثير الحماسة والأمل في قلوب ناخبيه، هذا الشعار يحمل في طيّاته الإقصاء والتهميش لفئات واسعة من الشعب الأميركي، وخصوصاً عندما يقترن الشعار بإجراءات ضريبية تعفي أصحاب الثروات، وبتشريعات تمسّ مسألة الفصل بين الدّين والدولة، وبتصوّرات تُعيد تخيّل أميركا ما قبل كلّ موجة العَولمة وحركات الحقوق المدنيّة وتطوّرات التكنولوجيا الهائلة التي أعادت رسم حدود العالَم الجغرافية والسياسية والثقافية. باختصار، ترامب "الأميركي جدّاً" هو ترامب أقلّوي إزاء التاريخ الأميركي "الأكثري"، وهو خارجي اليوم، أي من خارج الأنساق الواقعية الأميركية الداخلية، خارجيّة ترامب الرّاهنة تقرِّبه من وضعية التخيّل أو الافتراض، وقد لا يكون غريباً القول إنّ دونالد ترامب سيظلّ رئيساً افتراضياً لأميركا يحاول أن يكون حقيقيّاً. هنا في مضمار التحوّل إلى "حقيقي"، ما زالت بواكير الأداء الترامبي على خصومة مع الفضاء الأميركي التاريخي والثقافي العامّ، وهي ما زالت أيضاً، ضدّ "الحلم الأصلي" الذي تدعو للعودة إليه، أي أنّها ما زالت في موقع انفصام خطابها عن الواقع الذي يحاول مقاربته وصناعته وحمل محدّدات هويّته لاحقاً.

 

قريباً من الفضاء الأميركي الحليف، وقعت أوروبا في مدار المناوشة الترامبيّة؛ فلقد وجّه الرئيس "غير المتوقَّع" سهامه ضدّ المنظومة السياسية التي تجمع عيدان الدول الأوروبيّة، أي ضدّ هيكل الاتّحاد الأوروبي العامّ، الذي حظي بازدراء الرئيس الجديد، هذا الذي لم يتوانَ عن وصف الناظِم الأوروبيّ العامّ بأنّه "سجن للشعوب… ومسخ بيروقراطي تُهيمِن عليه ألمانيا…". ولأنّ الأمر كذلك، لم يتردّد دونالد ترامب في "تهنئة بريطانيا على خروجها من الاتّحاد الأوروبي"، ولعلّه لن يتأخّر في عرض شراكة تجارية عليها كهدية لها في مناسبة استرداد حريّتها السياسية، وربما الاقتصادية، وكرسالة تشجيعٍ للدول الأعضاء الآخرين في الاتّحاد، لحثّهم على اقتفاء أثر بريطانيا في كسر "جدران سجنها"!! المغزى السياسي الأوّل للرسالة الرئاسية الأميركية، هو أنّ السياسة الجديدة للإدارة الأميركية، وفي عهد ترامب بالذّات، باتت تُقيم حساباتها على أساس عناصر القوّة أوّلاً. فإذا كانت أوروبا قويّة ومحميَّة بسبب من غطاء الردع النووي الأميركي، وبسبب من شراكتها الأولى والأهمّ في حلف شمال الأطلسي، فإنّ على أوروبا هذه أن تدفع ثمن ضعفها، أي أن تدفع البديل العادل للحماية الأميركية التي تمتّعت بها منذ عقود طويلة. لعلّ ما يدور في ذهن دونالد ترامب الآن، هو أنّ الرخاء الاقتصادي الذي عرفته القارّة الأوروبية، وما ترتّب عنه من استقرارٍ اجتماعي، قد دُفعت كلفته من سياسات التسلّح الأميركية الواسعة، أي من جيب الأميركي أوّلاً، بخاصّة في حقبة الحرب الباردة مع الاتّحاد السوفييتي. لذلك، ودائماً بحسب النظرة الترامبيّة، بات لزاماً على أوروبا أن تسدِّد بعضاً من الدَّيْن السياسي والحمائي والاقتصادي للولايات المتّحدة الأميركية، وبات مطلوباً من دول "القارّة العجوز" الاستجابة لمتطلّبات تجديد شباب "أميركا" وعافيتها، التي زحفت إلى بنيتها عوامل شيخوخة ظاهرة، في السياسة أوّلاً، وفي مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

 

ما يظهر على سطح التوجّه الأميركي أوروبياً يحمل "خصومة انعزال"، يبدأ على شكل ابتعاد قيَميّ، أي من صعد الحرّية والديمقراطية ومفهوم العولمة وإعلاء شأن الحرّية الفردية، ليصل إلى نزاع انفصال اقتصادي عبَّر عنه دونالد ترامب في صيغة دعوات إلى "توطين المعامل الأميركية"، وإلى إعادة النقاش في الاتّفاقات الاقتصادية الموقّعة مع المكسيك ومع كندا، وإلى الارتداد عن صيغ العولمة التي أتاحت فتح الحدود أمام حركة الرساميل، وحوَّلت جزءاً أساسياً من صلاحيات السلطات الوطنية إلى الشركات العابِرة للقومية، وإلى اعتماد صيغ متشدّدة مع ظاهرة الهجرة واللّجوء التي تفاقمت بعد الذي شهدته أوطانٌ عديدة من حروبٍ أهليّة دامية. باختصار، يحاول دونالد ترامب انتهاج سياسة أوروبية وعالمية تتعارض ومسار "الأمْرَكَة" الذي تبلور بشكل فاقع منذ مطلع تسعينيّات القرن الماضي، ومع هذا المسار كان واضحاً أنّ العولمة تُعادِل الأمْرَكَة، أي تعميم النمط الأميركي على العالَم، واعتماد محدّدات الديمقراطية الأميركيّة كوَصْفة ناجعة لشؤون تطوّر الدول الأخرى، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. لنقل إنّها حركة ضدّ هذا التاريخ، أو ضدّ وجهة التطوّر المنطقي للأشياء، بالمعايير الديمقراطية الأميركية والغربية، ولنقل إنّ نجاح سياسة ترامب أو إخفاقها، سيظلّ مرهوناً بكيفيّة استجابة أوروبا والعالَم للتحدّي الأميركي الجديد. فعلى الاستجابة المُنفتِحة أو المُقفَلة، سيكون لنا أن نترقّب العيش في عالَم أكثر أمناً، أو في عالَمٍ مفتوح على منوّعات من الأخطار.

 

كتتمّة للخصومة البَيْنيّة التي أثارها ترامب غير النمطي ضمن بيئة "الحضارة الغربية"، جاءت قراراته حيال دول الحضارات الأخرى، ومنها الدول العربيّة والإسلاميّة. فباسم محاربة الإرهاب ومنع احتمالات وصول إرهابيّين إلى البلد الأميركي البعيد، أصدر الرئيس قراراً تسبَّب بنزاعٍ داخلي، يقضي بموجبه حظر دخول رعايا عدد من الدول التي اعتبرها مصدر خطر عدواني. من الواجب ملاحظة أهميّة الدفاع الداخلي الأميركي ضدّ النزعة الإقصائيّة الاستنسابيّة لترامب، فليس أمراً ثانوياً أن يأتي الردّ القضائي بإبطال القرار من داخل المنظومة الديمقراطية الأميركيّة أوّلاً، كذلك من الواجب الانتباه إلى أنّ قرار الرئيس الأميركي لم يكن تقنيّاً بحتاً، بل هو جاء في سياق سلسلة تصريحات لمسؤولين أميركيّين لا يخفون نزعتهم الدينية المُخالِفة لتوجّهات أبناء جلدتهم الأميركيّين، والمُخالِفة للّذين يعتنقون ديانات وآراء علمانيّة في البلاد المغايرة. هكذا نُقِل عن جيف سنشن، المدّعي العامّ الذي رشّحه ترامب، أنّ جدار الفصل بين الكنيسة والدولة غير دستوري، وأنّ بن كارسون، وزير الإسكان والتطوير المدني يُعادي الفصل بين الدّين والدولة، وأنّ مايك بومبيو مدير السي. أي. إي. الجديد، يرى "أنّ أميركا في حرب مع المسلمين…".

إذن، ووفقاً لهذه الأقوال المنقولة، لا يمكن اختزال قرار ترامب بمنع الهجرة إلى مجرّد وجهة سياسيّة إدارية عابرة، كذلك لا يمكن النَّظر إلى قراره بالانضمام إلى مُحارَبة الإرهاب، بوصفه قراراً سياسيّاً "مدنياً"، أي خالياً من إيحاءاته الدينية التي تنحو منحى الدمج بين الإرهاب والمسلمين، هذا المنحى الذي بات يحظى بشعبيّة واسعة بين حركات "الشعبويّة والقوميّة المتطرّفة" في الولايات المتّحدة الأميركيّة، وفي عدد من الدول الأوروبيّة.

 

إذا كانت تلك بعض مظاهر العداوة والخصومة التي يبتكرها ترامب حيال العالَم المتغيّر، فماذا عن هذا العالَم، وهو يحاول صياغة ردوده على أحواله وعلى أحوال كلّ ساكني "القرية الكونيّة"؟ الجواب البديهي، أو المنطقي، هو أنّ الأجوبة لا يُمكِن أن تكون من مادة ترامبية صرفة، بل يجب أن تحتويها وتتجاوزها، وأنّ فهم الظاهرة الأميركية يجب أن يكون جزءاً من فَهمٍ عامّ يعتبر أنّ "الترامبية نتيجة وليست سبباً". مهمّة الفَهم عامّة ومطلوبة من الجميع، من الحضارة الغربية أوّلاً، ومن الحضارة الإسلاميّة وغير الإسلاميّة ثانياً، وعلى سكّان المعمورة جميعاً أن يسمعوا جرس الإنذار الأميركي، فتكون استجابة للعمل العولمي الجديد، حيث يمكن أن يكون الكلّ رابحاً، هذا بعد عقود من الخسائر العالميّة العامّة، بسبب من أميركا أوّلاً… أميركا التي تحمل مفتاح الاستقرار العالَمي، ومفتاح تقويض هذا الاستقرار.

 

*كاتب من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف