قوّة أميركا وضعف الدولار ’’المُعولَم‘‘

%d8%b9%d8%af%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85%d8%a9

 

عدنان كريمة*

الدولار الأميركي عملة دوليّة قويّة، وهو يمنح الولايات المتّحدة نفوذاً ماليّاً وسياسيّاً كبيراً ، وقد وصفه الخبراء بأنّه "سلاحٌ قاتل" يُمكن استخدامه في الحروب الاقتصاديّة، وبأنّه قوّة ضغط في المعارك العسكريّة، على الرّغم من أنّ هذا السلاح بدأ يُواجِه منافسة استراتيجيّة من عملات أخرى تسعى إلى اقتسام النفوذ معه. ويبرز ذلك بشكل جليّ في احتدام الحروب التجاريّة المتعدّدة والمتنوّعة، وما يرافقها من حروبٍ في أسعار صرف العملات الدوليّة. لكنْ ما هو وضع الدولار الأميركي في ضوء تطبيق سياسات الحماية التجاريّة التي يتبنّاها الرئيس دونالد ترامب في عهده؟

في أيار (مايو) 2016، أي قبل موعد انتخابات الرئاسة الأميركية بخمسة أشهر، توقَّع بعض المحلّلين أن يكون مستقبل الدولار في خطر بعد تشرين الثاني (نوفمبر) إذا فاز ترامب وتسلَّم السلطة، معتقدين أنّ سعر صرف العملة الأميركيّة سينخفض بنحو 20 في المئة. ولم ترتبط تلك التكهّنات بأهمّية الدولار باعتباره العملة الدولية الأولى، لكنّ الأهمّ طبيعة المخاوف التي سادت الأوساط الماليّة الأوروبيّة، التي تعتبر أنّ عهد ترامب سيشهد عملياً، وبشكلٍ صريح، اندلاع "حرب عُملات دولية"، ليس بين الدولار وعملات الصفّ الثاني والثالث من عملات الاقتصادات النّاشئة أو النامية فقط، وإنّما بين عُملات الخمس الكبار، أي بين الدولار الأميركي، واليورو الأوروبي، والاسترليني البريطاني، والينّ الياباني، واليوان الصيني.

وبعد فوز ترامب بالرئاسة الأميركية، وقبل أن يتسلّم السلطة، انتهى العام 2016 بعجزٍ تجاريّ للولايات المتّحدة بلغ أعلى مستوياته منذ 4 سنوات، وذلك على خلفيّة الخلل المستمرّ في الميزان التجاري مع الصّين والاتّحاد الأوروبي. ويعود تفاقم العجز الأميركي البالغ 502 مليار دولار، إلى تراجع الصادرات إلى "سالب" بنحو 2,3 في المئة، حيث بلغت 2209 مليارات دولار، وبنسبة أعلى من تراجع الواردات إلى "سالب" بنحو 1,8 في المئة، وقد بلغت 2711 مليار دولار. ولوحظ أنّ العجز التجاري الأميركي مع الصين بلغ 347 مليار دولار، على الرّغم من أنّ هذا المبلغ تراجع بنسبة 4,5 في المئة مقارنةً بالعام 2015.

لكنّ هذا الخلل الكبير يُمكن أن يُعزِّز حجج إدارة ترامب التي تتّهم بكين بممارسات تجارية غير نزيهة، وتهدِّد باتّخاذ تدابير ردّاً عليها. أمّا العجز التجاري مع الاتّحاد الأوروبي، فقد بلغ 146,3 مليار دولار، منها 64,9 مليار دولار مع ألمانيا التي وجَّهت إليها الإدارة الأميركية أخيراً انتقادات شديدة، كذلك ارتفع العجز التجاري مع المكسيك بنسبة 4,1 في المئة، ليصل إلى 63,2 مليار دولار، في وقت يحمل ترامب بشدّة على هذا البلد، ويهدِّد بفرض رسوم جمركية عليه لإرغامه على دفع نفقات جدار يعتزم بناءه على الحدود بين البلدَيْن. وتشمل الرسوم المُرتقبة فرض زيادة بنسبة 45 في المئة إلى التعرفة على الواردات من الصين، ونحو 35 في المئة على جميع المنتجات التي تصنعها الشركات الأميركية خارج البلاد وتبيعها للداخل.

خفض الدولار

ينطلق ترامب من أنّ أزمة الاقتصاد الأميركي تكمن في ضعف الصادرات، ويجب تشجيع زيادتها، وذلك لن يتمّ برأيه إلّا من خلال آليّة واحدة، وهي خفْض قيمة الدولار مقارنةً بالعملات الأخرى، وبالتالي تصبح أسعار الصادرات الأميركية أقلّ من نظيرتها العالميّة مقيَّمة بأيّ عملة دولية مُنافِسة؛ وبذلك تحتدم المنافسة التجارية التي يعتبر الحلفاء الدوليّون للولايات المتّحدة أنّها حرب اقتصادية مباشرة وصريحة ضدّهم، لأن زيادة الصادرات الأميركية ستتمّ على حساب إضعاف صادراتهم، وهذا يعني حرب عملات، ربّما لم يشهدها العالَم منذ ثلاثينيّات القرن الماضي.

ويبدو أنّ العالَم يشهد حالياً حرب عملات صامتة، وكلّ ما يفعله ترامب أنّه سيرفع عنها الغطاء ويجعلها علنيّة، وهناك قطاعٌ كبير ومؤثِّر في الاقتصاد الأميركي يُدافِع عن وجهة نظر ترامب. فالوظائف في قطاع التصنيع في الولايات المتّحدة تراجعت من 14,2 مليون وظيفة عام 2006 إلى 12,3 مليون وظيفة، والسبب يعود إلى أنّ عدداً من الشركات نقلت نشاطها إلى الخارج، لأنّها لم تَعُد قادرة على منافسة الصين نتيجة خفض سعر اليوان وارتفاع قيمة الدولار؛ وكمثال على ذلك، أنّ بعض شركات صناعة السيارات، ومنها "جنرال موتورز" و"فورد" نقلت نشاطها إلى بلدان أخرى، وقد استوردت الشركة الأولى تصميمات سيارات من الصين، وقامت الثانية بإيجاد 2800 وظيفة في المكسيك بعد أن استثمرت 1,6 مليار دولار بإنشاء وحدة إنتاج هناك، ما أسهم في ارتفاع أرقام عجز الميزان التجاري الأميركي.

في هذا المجال يرى فريق إدارة ترامب أنّ واشنطن أغمضت الطرف في كثير من الأحيان عن التحايلات والانتهاكات التي تقوم بها المصارف المركزية لبعض الاقتصادات الحليفة مثل الاتّحاد الأوروبي واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، بخفْض قيمة عُملتها المحلّية في مُواجَهة الدولار، وعدم تركها لقوى السوق، على أمل أن يُسهم ذلك في زيادة معدّل الصادرات ورفع مستويات النموّ، بهدف إخراج تلك البلدان من عثرتها الاقتصاديّة، ومن ثمّ إنعاش الاقتصاد العالمي ككلّ. ويؤكّد هذا الفريق أنّ التجاهل الأميركي لتلك الانتهاكات لن يستمرّ، وستردّ واشنطن الصاع صاعَين لكلّ مَن يسعى إلى الاقتطاع من نصيبها من التجارة الدولية، وإن أدّى ذلك إلى نزاع مع الحلفاء، وفقدان الدولار مكانته التقليدية في العالَم.

وهكذا، سجَّل الدولار أسوأ أداء له في كانون الثاني (يناير) منذ عام 1987، بفعل مخاوِف في شأن استعداد الولايات المتّحدة للتخلّي عن سياسة "الدولار القويّ" التي تبنّتها على مدى عقدَيْن من الزمن، وقد انخفض بنسبة 2,6 في المئة في مقابل سلّة من العملات الرئيسية، وذلك بسبب مخاوف مرتبطة بسياسات الحماية التجارية التي يتبنّاها ترامب، ثمّ بسبب القلق من استعداد إدارته لخفْض سعر صرف العملة الأميركية.

وتحت تأثير تراجُع سعر الدولار وفرْض مزيد من العقوبات الأميركية على إيران، تميل أسعار النفط إلى الارتفاع، لأنّ أيّ انخفاض في سعْر صرف الدولار يجعل ثمن النفط المُسعَّر بالعملة الأميركية، أقلّ للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، ممّا يُعزِّز الطلب ويرفع الأسعار . وكذلك الأمر بالنسبة إلى الذهب، إذ ارتفع سعر الأونصة إلى أكثر من 1242 دولاراً.

 

النفوذ السياسي

إذا كان المعروف عالمياً أنّ قوّة النقد تنبع من قوّة الاقتصاد، فإنّ هذه المُعادلة ليست صحيحة دائماً، ومثال على ذلك أنّه سبق للدولار أن تراجعت قيمته خلال فترة (2002 – 2013) بنسبة 40 في المئة مقابل الفرنك السويسري، و30 في المئة للينّ الياباني، ونحو 25 في المئة لليورو الأوروبي، في وقت كانت فيه أوضاع الاقتصاد الأميركي، وما زالت، أفضل نسبيّاً من الاقتصاد الأوروبي الذي يعاني من أزمات مالية متعدّدة، حتّى أنّ بعض دوله تجاوزت ديونها نسبة 175 في المئة من ناتجها المحلّي مثل اليونان، و130 في المئة البرتغال، 123 في المئة إيرلندا، ونحو 93.5 في المئة فرنسا، وكلّ هذه النِّسب تتجاوز "القاعدة الذهبية" التي حدَّدها ميثاق "ماسترخت" بمعدّل 60 في المئة.

يستذكر الأميركيون أنّه في عهد الرئيس ليندون جونسون (أي منذ أكثر من 55 سنة) سجَّل اقتصاد الولايات المتّحدة نموّاً بلغ نسبة 5 في المئة سنوياً لما يقرب من عشر سنوات متتالية. وفي عهد رونالد ريغان بلغ متوسّط النموّ 4 في المئة سنوياً، وفي عهد جورج دبليو بوش سجَّل مستوى أدنى من 3 في المئة. ولكنْ في السنوات الثماني الماضية من عهد باراك أوباما، بلغ متوسّط النموّ السنويّ نحو 2 في المئة. ومن التوقّعات المُفرطة في التفاؤل لمكتب الميزانية في الكونغرس، تلك التي تشير إلى تحقيق نموّ بواقع نقطتَيْن مئويّتَيْن فقط خلال السنوات العشر المُقبلة.

ولكن في تصنيف دولي لعام 2016، أعدّه مركز التنافسيّة العالمي، أُخرِجت الولايات المتّحدة من المرتبة الأولى للاقتصادات الأكثر تنافسيّة في العالَم، وذلك بعد أن سبقتها كلٌّ من هونغ كونغ وسويسرا.

ولوحظ في هذا المجال، أنّ الولايات المتّحدة لا تتهاون أمام أيّ تلاعب في أسعار الصرف، خوفاً من تداعياته السلبية على النموّ الاقتصادي. ونظراً لقوّة الولايات المتّحدة، وقدرتها على الإمساك بزمام النّظام المالي والمصرفي والنقدي العالَمي، فقد سبق أن امتثلت الصين لتحذيراتها بوقْف خفْض اليوان على الرّغم من الأضرار التي لحقت بتجارتها الخارجية، وكذلك اليابان التي أعربت عن نيّتها التدخّل في أسواق الصّرف لِلَجْم ارتفاع الينّ مقابل الدولار.

العُملة البديلة

لقد توقّع رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي السابق دنيس لوكهارات صعوداً تدريجيّاً لعملات أخرى خلال السنوات المقبلة، مشيراً الى ضرورة إيجاد بديل عن الدولار كعملة احتياط عالميّة بالنسبة إلى الدول المرتبطة به. هل يمكن تحقيق ذلك ؟.. وما هي العُملة البديلة؟

وفق أحدث التقارير، بلغ إجمالي حصّة الدولار في احتياطات صندوق النقد الدولي 3.763 تريليون دولار، أي بنسبة 60.9 في المئة من إجمالي مخصّصات الاحتياطات، مقابل 24.4 في المئة حصّة اليورو، ونحو 3.9 في المئة للينّ الياباني. ويشكِّل الدولار حاليّاً نحو 86 في المئة من حجم التعامل اليومي في السوق العالمي للصرف الأجنبي، والذي يزيد على ثلاثة تريليونات دولار؛ أمّا احتياطات النقد العالمية، فقد وصل حجمها إلى 11.864 تريليون دولار، ومعظمها بالعُملة الأميركية.

وكنتيجة طبيعية للانتشار الكبير للدولار وسيطرته على الحركة المالية والاقتصادية في العالَم، فإنّ كلَّ مَن يملك أموالاً أو ودائع أو صكوكاً بالعملة الأميركية، من بنوك مركزية وتجارية ومواطنين، مضطّرٌ لحماية الدولار حمايةً لمصالحه. حتّى الصين، التي يرى بعض المراقبين أنّ "اليوان" يُمكن أن يكون بديلاً من الدولار، قد لا يكون لها مصلحة في ذلك، كونها تملك حالياً أكثر من 2.5 ألف مليار دولار من الاحتياطي النقدي الخارجي 70 في المئة منها سندات خزينة أميركيّة، مع العلم أنّ صندوق النقد الدولي قد أقرّ "اليوان" الصيني كإحدى العملات الرئيسيّة المكوِّنة لسلّة عملات وحدة حقوق السحب الخاصّة، وذلك اعترافاً منه بأهمّيته وقوّة استقراره.

*كاتب ومُحلّل اقتصادي من لبنان

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف