التّنشئة الوطنيّة في المجتمعات المتعدّدة

%d8%ad%d8%b3%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad

 

حسام الدين صالح*

على الرّغم من انفصال جنوب السّودان بدولته المستقلّة عن السّودان، لم تجد قضايا الهويّة والاستقرار القوميّ في كلا البلدَين طريقها للحسم لمصلحة شعبَيهما؛ ولذلك لا تزال هذه القضايا حتّى الآن دائمة الحضور في سجالات النّقاش العامّ والتّدافع الاجتماعيّ. حينما نسمع بالحرب في السودان أو في جنوب السّودان، فإنّنا لا نسمع صوت الحكمة التي عجزت عن الصبر ففضّلت وضع حدّ لحياتها بالتسرّع، لأنّ صوت الحرب في هذا الصّخب يطغى على صوت التحفّز لإيقافها أو منع نشوبها.

بمعنى أدقّ، نحن نلحظ انفلات الوسائل الدّاعمة للأهداف الكبيرة التي تراود أحلام مجتمع متعدّد الاختلافات، فيقع الانهيار، ويجري استبدال العَيش المَبنيّ على المعرفة والتّسامح بالتّحارب المستنِد إلى الظنون والتعجّل، فتصبح وسائل التعليم والتنشئة المعرفية ضحيّة للصبر المحدود.

تلعب سياسات التعليم والتنشئة المعرفيّة دَوراً كبيراً في تشكيل واقع المجتمعات المُعاصرة ومستقبلها. بدأ الأمر في السّودان منذ سقوطه في يد الاحتلال الإنكليزيّ بمحاولة تنميط التعليم على شكل الدَّولة الاستعماريّة ليُلائِم احتياجاتها في تصريف شؤونها. ولم تكُن أهداف التعليم في ذلك الوقت تتعدّى تعليم المواطنين ليكونوا أكثر قدرة على شغل الوظائف الحكومية التي تسندها الدولة الجديدة إليهم، ولهذا لم تحفل السياسات التعليمية حينها بتقوية تماسك المجتمع أو بتنقيته من بذور التّناحر، لأنّ هذا يُنافي أهداف الدَّولة الاستعمارية نفسها. وهكذا سار الوضع التعليمي لتكون فاعليّة مُخرجاته على قدر طاعة المحتلّ ورغباته، إلى أن جاء الحُكم الوطني، فبدأ بترسيخ المواطنة والوطنية في سياسات التعليم ومناهجه، وبدأت بعدها أهداف التعليم تتّجه لتكون أكثر قرباً من الوطن والوطنية. فبعد استقلال السودان من بريطانيا في العام 1956، سعت أوّل حكومة وطنية تكوّنت بعد الاستقلال إلى إصلاح التعليم، فتكوّنت ثلاث لجان لمتابعة السياسات التعليمية الجديدة، اشتهرت منها لجنتان، الأولى كانت تُعرف بلجنة عكراوي، فيما عُرفت الثانية بلجنة كاظم في العام 1960، وعملت كلا اللّجنتَين بمساعدة اليونسكو ودعمها. وأهمّ ما جاء في تقرير اللّجنة الأولى أنّ السودان يُواجه مشكلات في غاية الصعوبة والتعقيد، بالنَّظر إلى التنوّع العرقي والثقافي الكبير الذي يتمتّع به، فأكَّد التقرير أنّ للتعليم دَوراً بارزاً وحيويّاً في حلّ مشكلات التعدّد والوحدة الوطنية بصفة خاصّة، واقترحت اللّجنة كما يقول د. محمّد عمر بشير في كِتاب "التعليم والوحدة الوطنية، دراسات في الوحدة الوطنية في السودان" (1988): "تجديد التعليم الثانوي بغرض زيادة المقدرة التعليمية والمَلَكة الفنّية لدى التلاميذ ليتمكّنوا من الإسهام بفاعليّة في المؤسّسات الديمقراطية والحياة الثقافية والاجتماعية ولكي يكونوا متسامحين واسعي النَّظر ومتجاوبين مع احتياجات البلاد وتطلّعات المواطنين".. ولكن للأسف لم يتطلَّب تعثّر هذه الأهداف الوطنية وقتاً طويلاً، فالأزمة الحقيقيّة التي ظلَّت تُواجه التعليم والثقافة في السودان – كما يقول الخبير التربوي السوداني د. محمّد عمر بشير، في كِتاب في "دراسات في الوحدة الوطنية في السودانهي أزمة "الانفصام بين القول والفعل، وغياب العلاقة بين ما هو مكتوب في الأهداف والاستراتيجيّة والمُمارَسة".

تلقين المَعارف وانسداد الأُفق

تؤكِّد كثير من الدراسات العربية، ومنها دراسة محمّد فاعور "واقع التربية المُواطنية في الدُّول العربيّة" (2013) أنّ أساليب التعلّم في الدُّول العربيّة المُختصّة بالتربية المدنيّة وممارساتها "لا تشجِّع على المُشارَكة اللّازمة للمواطَنة العصرية، وتقتصر التربية المُواطنية إلى حدّ كبير على التلقين عن ظهر قلب، وتميل الدروس إلى أن تكون تعليمية يتولّى المعلِّم توجيهها، وهي تعزِّز وجهات النَّظر الرسمية السياسية والدينية".. وهذا بالضبط ما حدث في الحالة السودانية مع وسائل التنشئة المعرفية التي كان يُعوَّل عليها في إرساء التسامح وقبول الاختلاف والتعدّد، فكانت كُتب التربية المدنية آنذاك تُعالِج موضوعات التربية الوطنية عن طريق التلقين، ما أدّى إلى إضعاف أثر المعارف المقدَّمة في تغيير السلوكيّات والاتّجاهات نحو أهداف التربية الوطنية، فأصبحت مادّة جافّة بوحدات معرفية مُتباينة يدخل فيها عدد من الموادّ كعِلم الاجتماع والسياسة وغيرهما؛ وبهذا، تحوَّلت إلى مادّة دراسية تقليدية يعتمد فيها الطلّاب على استذكار المعلومات من أجل النجاح في الاختبارات إلى أن أُهمِلت المادّة تماماً في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعدما تحوّلت إلى مادّة اختيارية.. ثمّ وجدت المادّة الاختيارية نفسها خارج المقرّرات الدراسية تماماً بعد ذلك.

لقد أودت حالة عدم الاستقرار السياسيّ بفكرة التدريس المركّز للتربية الوطنيّة، وحالَ تقلّب البلاد بين دَورات الحُكم العسكرية والديمقراطية دون استقرار نظامٍ تعليميّ واحد ومتطوّر يُجاري التطوّرات المعرفيّة، ولا يخضع لإيديولوجيّات الحكومات المتعاقبة على كرسيّ الحُكم. ولهذا، اختفت مادّة التربية الوطنيّة من المدارس والجامعات السودانيّة منذ العام 1984، وأصبحت معلومات متفرّقة تُدَرّس في مواد التاريخ والجغرافيا والدراسات السودانيّة فقط، من دون أن ترتبط بفلسفة واضحة أو بمنهج محدَّد، وهو أمر دفع بالكثير من التربويّين والمهتمّين بالمجال التعليميّ للمطالبة بضرورة تدريس التربية الوطنية على أُسس واضحة تُواكِب التغيّرات التي يعيشها السودان ويمرّ بها العالَم.

وعي تشريعيّ بحاجة إلى جُهد تنفيذيّ

على المستوى النّظري، عاد الاهتمام بالتنشئة الوطنيّة في أعلى وثيقة تخطيطيّة في السّودان والمعروفة بـ"الخطّة القوميّة ربع القرنيّة 2007 – 2031″ حيث نصّت على: "تعميق قواعد التربية الوطنيّة" كأحد أبرز التحدّيات التي تتصدّى لها. إلّا أنّ هذا التنويه بأهمّية التربية الوطنية لم يكن له ما يسنده بوضوح في الممارسة العملية، وخصوصاً في المناهج التعليمية. ويمضي الدستور السوداني الحالي (دستور 2005 الانتقالي) في الخطى نفسها، بعكس الدستور السابق (دستور 1998) الذي كان ينصّ على "رعاية الدَّولة للنشء والشباب وتوظيف سياسات التعليم والتربية الوطنية لإخراج جيلٍ صالح". ومع ذلك، ينصّ قانون الطفل لسنة 2010 على ضرورة أن تسعى الدَّولة "لتضمين المناهج التعليمية ما يلي :التربية الدينية، التربية الوطنية، مبادئ حقوق الإنسان". أمّا قانون تخطيط التعليم العامّ وتنظيمه لسنة 2001، فيُحدِّد بعض أهداف التعليم العامّ: "تقوية روح الجماعة والولاء للوطن وتنمية الاستعداد للتعاون، الشعور بالواجب، البذل للصالح العامّ، تعمير الوجدان بحبّ الوطن والأمّة والإنسانية، بثّ ثقافة السلام ومراعاة التنوّع الثقافي في البلاد".. إلّا أنّ كلّ هذه النصوص التشريعية ظلَّت حبيسة سطورها.

في الدراسة التي قام بها الباحثان عبد الغفّار محمّد أحمد ومنزول عسل (2013) بعنوان: "المُواطَنة والهويّة والأقلّيات والثقافات الفرعية في السودان" ما يؤكِّد ضرورة تنمية سياسات التنشئة الوطنية وتطويرها، حيث ترد تأكيدات بأنّ "قضايا الهويّة، والمواطنة، والأقلّيات، والثقافة، كانت ولا تزال تمثل تحدّياً للبناء الوطني والدَّولة القومية، وخصوصاً في ظلّ التنوّع الذي يتمتّع به السودان، وهنالك العديد من القضايا الشائكة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكيفيّة إدارة التنوّع، لذلك فإنّ هنالك حاجة حقيقية وماسّة لسبر أغوار تحدّيات المُواطنة والهويّة"؛ إلّا أنّ لعنة المُمارسة التي تُباعد دائماً بين الواقع والمأمول تظلّ هي الأقوى حضوراً في المشهد، بحسب كثير من الدراسات الميدانية والتطبيقية مثل دراسة الباحث أحمد عوض البشير، وهي بعنوان:"تقويم مناهج العلوم الاجتماعية للمدرسة الثانوية في ضوء احتياجات المجتمع المدني السوداني في الفترة 1995 – 2005" (2005) التي تؤكِّد أنّ "المدرسة الثانوية الحالية في السودان تخلو من منهج للتربية الوطنية، وأنّ مناهج الجغرافيا والتاريخ فيها خلت تماماً من مفهوم المجتمع المدني واحتياجاته، وأنّ مناهج الجغرافيا والتاريخ لا ترسِّخ احترام التعدّد (العرقي، الديني، اللّغوي، الثقافي) في البلاد، كما تخلو من حقوق الإنسان الأساسية والاتّفاقيات الدولية".

إنّ الحروب المندلعة قد تُوقَف بالحرب المضادّة أو بالسّياسة، ولكن بعد أن تُخلّف وراءها ضحاياها. أمّا الحروب – وخصوصاً حروب المجتمع الواحد أو المجتمعات المتجاورة والمتعايشة بحُكم التاريخ والجغرافيا والمصير – فتُمنَع بالتّنشئة المعرفية التي تؤمن بأنّ الاعتراف بالاختلاف سلاحٌ يمنع من استخدام الاختلاف كسلاح.

 

* صحافي وكاتب سوداني

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف