حين تتقاطع الديموغرافيا مع السياسة

%d8%b1%d9%81%d9%8a%d9%81-%d8%b5%d9%8a%d8%af%d8%a7%d9%88%d9%8a

 

د. رفيف رضا صيداوي*

من أبسط تعريفات الديموغرافيا أو عِلم السكّان، أنّه عِلم يهتمّ بدراسة ديناميّة السكّان، من حيث حجمهم وتوزّعهم بحسب الجنس، والفئة العمريّة، والمرحلة الدراسيّة، ومكوّنات النموّ (معدّلات الولادات والوفيّات والهجرة) وغيرها من المتغيّرات التي تفيد في تحديد خصائص السكّان في كلّ دولة وعلى مستوى دُول العالَم أجمع. غير أنّ هذا العِلم، الذي يشكّل فرعاً من فروع العلوم الإنسانيّة، لا يكتفي بتوصيف هذه الظواهر السكّانية المذكورة وغيرها، بل يتعدّى ذلك إلى تحليلها والمضيّ في صوغ قوانين ونظريّات عامّة حولها وحول الواقع السكّاني بعامّة.

يُعرّف "القاموس الديموغرافي المتعدّد اللّغات لهيئة الأُمم المتّحدة" (Dictionnaire démographique multilingue de l'ONU) الديموغرافيا على أنّها: "عِلم غايته دراسة البشر، من حيث حجمهم وبنيتهم، وتطوّرهم وسماتهم العامّة، من منظور كمّي أساساً. وهو عِلم يقع في صلب العلوم الإنسانيّة التي تنتمي إليها كذلك اختصاصات متداخلة المعارف مثل الديموغرافيا الاقتصادية، والديموغرافيا الاجتماعيّة، وعلم الوراثة السكّانية، والديموغرافيا التاريخية(..)، فضلاً عن الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا وعلم النفس والجغرافيا والفلسفة".

على هذا، تقاطعت الديموغرافيا مع  السياسة تقاطعاً عميقاً، وبات موضوع الديموغرافيا السياسيّة بحسب جيرار فرانسوا دومون Gérard-François Dumont (الوارِد في محاضرة للدكتور أسعد الأتات ألقاها في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي بعنوان: "ديمغرافيّة بلدان المشرق العربي: الرهانات المستحيلة" في 24 / 11 / 2016)، "تلك العلاقة من التأثير المتبادلة بين الموضوعات السكّانية ومجموع المسائل ذات الصلة بالدّولة". ففي إطار هذه العلاقة، لم يعُد خافياً على أحد أنّ الاستعمار في سعيه إلى السيطرة على ثروات بلدان العالَم الثالث منذ القرن التاسع عشر، أدخَل " الطبّ الوقائي على المنطقة بغية القضاء على الأوبئة، التي كانت تسبِّب له عائقاً. كما أنّ الاستغلال الأمثل للثروات يتطلّب تحسّناً في أوضاع السكّان الصحيّة للرفع من قدرتهم الإنتاجية، ما أفقد التوازن التقليدي بين الولادات والوفيّات وأوجد وضعاً متفجّراً للسكّان لا سابقة تاريخية له. وهو الاستـعمار نفسه اليوم الذي يواصل بطُرق مختلفة إفقار العالَم الثالث والهَيمنة على موارده و قدراته الاقتصادية ويواصل تكريس تبعيّته للرأس مال الغربي، ما أضعف قدرة العالَم الثالث على الخروج من بوتقة التخلّف والركود الاقتصادي (..)، بخاصّة إذا علمنا أنّ معدّلات التنمية الاقتصادية في بلدان العالَم الثالث لا تجاري مستوى ازدياد عدد السكّان" (عماد الميغري، "خصوصيّات التحوّل الديمغرافي وبروز المشكلة السكّانية في العالَم الثالث: المنطقة المغاربيّة أنموذجاً"، مجلّة إنسانيّات، العدد 9، 1999).

 

المشرق العربي والديموغرافيا

ومن فضاء العالَم الثالث إلى فضاء أضيق، وهو المشرق العربي، تلك المنطقة ذات التنوّع الدّيني والطائفي  والمذهبي والإتني واللّغوي..إلخ، التي منحها تنوّعها هذا خصوصيّة جغرافيّة- سياسيّة غير متوفّرة إلّا فيها، على حدّ تعبير الدكتور أسعد الأتات في محاضرته الآنفة الذكر، يُلاحَظ أنّ الدُّول الخارجية لطالما جهدت للاستفادة من هذا التنوّع المذكور لإثارة النعرات الطائفية والمذهبيّة، بل والعمل على تعميقها باستمرار، فبدا ذلك وكأنّه "استجابة للنصيحة التي قدّمتها جامعة هارڤرد في مدينة كامبردج (ولاية ماساتشوستس، الجامعة الأميركية الأقدم والأكثر شهرة في ميدان عِلم الاجتماع، وذلك منذ منتصف القرن العشرين، في كيفيّة تعاطي الإدارة الأميركية مع المجتمعات التعدّدية، بحيث دعتها للمحافظة على التمزّق الإقليمي والطائفي في المجتمع العربي والعمل على تعميقه)"، (أورده الأتات نقلاً عن حليم بركات، في كتابه المجتمع العربي المعاصر).

في هذا السياق يتقاطع الديموغرافي مع السياسي، حيث جرى تاريخيّاً، ولمّا يزل، تخويف الأقلّيات من أيّ نوع، أي سواء أكانت دينية أم عرقية أم سياسية…إلخ من الأكثرية. ويتمّ كذلك- بحسب الأتات- تخويف الأكثريّة من تحالف الاقلّيات، فيما السند الذي يُبنى عليه هذا التخويف هو العدد نفسه: "فالمواطنون أرقام يجري عدّهم، ليس بقصد المعرفة العلمية لضرورات مجتمعية، تتطلّبها أوضاعهم المعيشية والاقتصادية من عناية..إلخ، وما تقتضيه من سُبل لتحسينها، بل لاستخدام ذلك كأداة في الممارسة السياسية، وفق الوجهة التي تتطلّبها المصالح الخاصّة، للحكّام والمسؤولين، بما يحقِّق غاياته ومقاصده في تعمية الناس عن كلّ ما يجمع بينهم كمواطنين. فتُصبح الأرقام عبارة عن دوائر متداخلة من الخوف والتخويف، لصرف النَّظر عن أساس الصراع فيما بينهم (كحكّام ومسؤولين) على السلطة المتمثِّلة بالمال والثروة".

في المقابل، تَعتمِد استراتيجيّة ما يُسمّى بـ"الفوضى الخلاّقة"، التي وضع نظريّتها برنار لويس والمحافظون الجُدد، على الديموغرافيا، وذلك للدفاع عن أطروحاتهم وأطروحات بعض المستشرقين الذين يصوّرون العالَم العربي خليطاً من الأقليّات الدينيّة والإثنيّة غير القادرة على العيش معاً في كيانات دُول – قوميّة. نكتفي بالصيغة الحديثة لهذه النظريّة المتمثّلة بمقولة "صدام الحضارات" التي جعل فيها صامويل هنتنغتون الديموغرافيا عاملاً محدِّداً وأساسيّاً في صراع الحضارات، معتبراً أنّ نموّ السكّان في البلدان الإسلامية، ولاسيّما من الفئة العمريّة ما بين 15- 24 سنة، يوفّر بيئة حاضنة للتيّارات الأصولية ويُشجّع التمرّد والهجرة.

في حدود النظريّة الرياضيّة

وبقدر تقاطع الديموغرافيا والسياسة، والنظريّات المبنيّة على تلك العلاقة، فإنّ الواقع، بوصفه أهمّ مختبر لتأكيد صحّة هذه النظريات أو خطئها، لطالما أبطل بعضها أو ناقض نتائج بعضها الآخر، ولاسيّما حين تكون هذه النظريّات مبنيّة على علاقة  ميكانيكيّة بين المجالَيْن، تستند إلى أرقام وإحصاءات ومؤشّرات؛ "إذ علينا ألّا ننسى أبداً أنّ كلّ نظرية رياضية Théorème وكلّ قاعدة لا يمكن أبداً أن تكون صالحة على الدّوام، وفي كلّ مرّة وبلا قيد ولا شرط" (محمّد شرقاوي، "الربيع العربي بين نظرية المؤامرة ونظرية الثورة"، التقرير العربي السابع للتنمية الثقافية، مؤسّسة الفكر العربي، ط1 ، بيروت2014). ومن هنا عجز هذه النظريات عن الصمود أمام الواقع.

فكما يذكر يوسف كرباج في دراسته المُعنوَنة بـ "هل تؤدّي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟ نَموذَجا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" ( المنشورة في مجلّة عمران، العدد 3: شتاء 2013)، ثمّة "فجوات لا يمكن تجنّبها قائمة بين وتائر التحوّلات الديموغرافيّة والسياسيّة، فتونس مثلاً، هي أكثر الدُّول العربيّة تقدّماً في المجالات كلّها: التعليم، والخصوبة، والزواج، التحضّر، ورَدْم الفجوة بين الجنسَين، وغيرها"، لكنّها بحسب ما جاء في كلامه انتظرت حتّى  كانون الثاني (يناير) 2011 لتنطلق ثورة الياسمين فيها، في حين كان متوقَّعاً لهذا البلد، لو تمّ الاعتماد على تحليل المؤشّرات الإيجابيّة، أن يطيح بالنّظام التسلّطي في زمن أبكر؛ فيما  تمكّن اليمن، "وهو أكثر الدُّول تخلّفاً على القائمة، بما في ذلك أسوأ المؤشّرات الديموغرافيّة(..) من التخلّص من رئيس تسلّطي حَكَمَ أكثر من ثلاثة عقود، وذلك بعد أشهر قليلة من [ثورة] تونس. وبين هذَيْن المثالَيْن المتطرّفَيْن نجد أنّ مصر وليبيا وسورية تمرّ بمرحلة التحوّل الديموغرافي نفسها، ولكنّها تتبع مسارات سياسيّة مختلفة للغاية".

هذا الأساس الديموغرافي، الذي تمّ على أساسه رسم خرائط جديدة للشرق الأوسط، بما في ذلك المشرق العربي، من قبل المُحافظين الجُدد الأميركيّين وإدارة الرئيس بوش الابن، وبما يتناغم مع نظريّة "صدام الحضارات"، هو نفسه الأساس الذي يتمّ بموجبه دحض فكرة تفتيت الشرق الأوسط. فبحسب محمّد شرقاوي في دراسته المذكورة آنفاً، "رأى  ملهِمو الرئيس بوش آمالهم تخيب، إذ إنّ العالَم العربي الذي سمّوه [الرجل المريض].. لم يعرف مصيراً شبيهاً بمصير الرجل المريض في القرن التاسع عشر، أي الإمبراطورية العثمانية التي تقطّعت أوصالها بعد الحرب العالمية الثانية". أمّا أسعد الأتات، الذي رأى أنّ محاولات إقامة كيانات جغرافيّة- سياسيّة على أُسس طائفيّة أو عرقيّة فشلت تاريخيّاً، كما حصل في مقاطعات جبل لبنان في أواسط القرن التاسع عشر، أو محاولات تقسيم سوريا إلى أربع دويلات أيّام الانتداب، فيستخلص في دراسته المذكورة آنفاً، أنّ المجال الديموغرافي في المشرق، عوضاً عن تحقيقه مشروعات سياسيّة في اتّجاه تعديل الجغرافيا السياسيّة، جاء في المشرق عصيّاً على التحقّق، بسببٍ من الديموغرافي نفسه. لذا يقول: "من أبرز ميزات التركيب السكّاني في بلدان المشرق العربي، هذا الغنى بالتنوّع المذهبي والديني والثقافي والعرقي…إلخ. وبمقدار ما يُشكّل ذلك معضلة في بناء الأمّة- الدّولة، فإنّه يقف عقبة بوجه أيّ مشروعات تنحو في اتّجاه تقسيمي، بالمعنى السياسي". فهذا التنوّع برأيه يشكّل بدوره ضمانة للمكوّنات المجتمعية كافّة.

ولئن تمثّلت الغاية من وراء الاهتمام البالِغ بدراسة الواقع الديموغرافي المشرقي في ضوء نظريّة "صِدام الحضارات" في الزمن الراهن، وفي ضوء تخليص تلك المنطقة من تنوّعها المُثير للقلائل في زمن سابق، وذلك لتسهيل فبْركة المؤامرات والنعرات من كلّ نوع، فإنّ السؤال الذي حاول كثيرون، ومن بينهم الأتات، طرحه حول صمود هذه المنطقة بتنوّعها هذا، يحيلنا مرّات أخرى على مدى تقاطع الديموغرافي والسياسي في الاتّجاهَيْن: الاتّجاه نحو رسْم سياسات جديدة للمنطقة، والاتّجاه النقيض نحو فرْمَلتها.

*مؤسّسة الفكر العربي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف