استجداء المواطنة: بين البلديّة والحراك المدني

 

د.عزّة سليمان*
لا شكّ أنّ لبنان- كدولة ومؤسّسات وبيئة اجتماعية وطبيعية- يمرّ عموماً بمرحلة دقيقة في حياته. فلا دولة تعمل بشكل متوازن، ولا مؤسّسات خاضعة لنظام واضح، ولا المجتمع مستقرّ في أمنه الاجتماعي وقيمه الأخلاقية، ولا الأسر بقيت محافظة على دورها كخليّة اجتماعية تؤسِّس لاستقرارٍ نفسيّ ولشخصياتٍ هادئة تشكّل ركيزةً لمجتمعٍ سليم.

ليس مصادفة اجتماع هذه التفكّكات على تلك المستويات كلّها، لأنّ المجتمع الراقي في حضارته يشكّل نموذجاً متكاملاً من الازدهار، تبدأ أواليّاته بمؤسّسات الدولة، واستمرارية المرافق العامّة والخدمات، ووحدة المصلحة العامة، ويتجسّد ذلك في قانونٍ عادل ونافذ يحمي ويحاسب بفعالية واستمرارية.

لذلك، يُعتبَر القانون الركيزة الأساسيّة في أيّ دولة تؤسّس لإدارة حياة المواطن في علاقته بالسلطة والمؤسّسات، كما وفي علاقته بمحيطه وحتّى أسرته، بما يترك له المجال في التطوّر الذاتي والفكري والشخصي المكفول والمحمي بموجب هذا القانون وتلك المؤسّسات.

لكنّ القانون ليس قاعدة يتمّ إسقاطها على المجتمع من كوكب آخر، إنّما ينبع من المجتمع ذاته، بما يشكّل مع المواطن والمؤسّسات وحدة غير مجزّأة، يشعر فيها المواطن أنّ القانون جزء من حياته، ويصبح بذلك الأداة والوسيلة التي تحكم واقعه، يثق بمضمونه، ويسعى لبلورته تكريساً لهويّته. هذا إذا ما كان المشرّع يقوم بالدور الموكَل إليه وفقاً للأصول.

أخلاقيّات المهنة والثقافة الاجتماعيّة

إنّما القوانين لا يمكنها أن تشمل كلّ التفاصيل الاجتماعية. لذلك، يُترك هامشٌ واسعٌ إلى القيم الأخلاقية، من عاداتٍ وآداب، والتي تكتسب الطابع الإلزامي من ناحية، وإلى مبادئ السلوك المهنية التي تشكّل رادعاً معنوياً لا يرتقي إلى درجة القاعدة المُعاقب عليها من ناحية أخرى. وهكذا ظهر مفهوم قواعد الأخلاقيات المهنيّة أو ما يعرف بالـ ethics، وهي المعايير الأساسية التي تُقوِّم الحياة الإنسانية، وتُنظِّم سلوك المرء بأبعاده المهنية والاجتماعية. وهنا نشير إلى أنّ هذه الأخلاقيات ليست متطابقة مع مفهوم الثقافة الاجتماعية وآدابها، إذ إنّ الثقافة تبقى خصوصيّة لمجتمعٍ محدَّد في زمن معيّن، في وقت تُعتَبر الأخلاقيات قواعد سلوكية تحكم مهنة محدَّدة مثلاً، ولكنّها عالمية في مفهومها، وبذلك فهي تدخل أكثر في القيم الإنسانية والحضارية العالمية.

انطلاقاً من هذا التحليل، وعندما يسقط المجتمع في كيانه السياسي والإداري والاجتماعي، لا شك أنّ وجود القانون والقواعد الأخلاقية يغدو هامشياً. وبقدر ما يكون القانون منسجِماً مع ممارسات الناس، يغدو الأمن الاجتماعي والسياسي والمؤسّساتي مُكرَّساً. والعكس صحيح، إذ تتّصف المجتمعات المُهترِئة بفقدان القوانين النافذة، وسريان الفِئوية، وانتشار ثقافة الفساد والعنف بشكليه المادي والمعنوي، والاستغلال.

يُعتبر لبنان نموذجاً واضحاً عمّا نقول، بحيث يشكّل القانون واحترامه في ثقافة المواطن معيار ضعف في الشخصية؛ فيما تُعتَبَر مخالفة القوانين نوعاً من الذكاء، وسبباً للتقرّب من الفئات الاجتماعية الأكثر وصولاً إلى المال والسلطة، بما يحقّق وفراً وراحةً في الحياة واستقرارها، بعكس ما هي القاعدة في مجتمعات العالم المتقدّم في علومه وسياسته.

تطبيقاً لذلك، نجد أنّ السنوات الأخيرة في لبنان اتّصفت بخطابٍ مبنيّ على الفئوية الطائفية، بحيث أصبح الفرد – لا المواطن – لا يشعر بانتمائه إلّا للفئة الطائفية، كما اتّصف بالعنف والحقد والاستقواء، فضلاً عن استهزاء الناس بمفهوم القانون والدولة والمؤسّسات القضائية على اختلافها، وذلك على الرّغم من أنّ تلك الأخيرة بقيت محافِظة على حصانةٍ شكليّة في الإعلام. ونلاحظ أنّ المواطن لا ينتمي إلى أيّ مؤسّسة باستثناء مؤسّسة الجيش اللبناني؛ ما يعكس واقعاً خطيراً يُعيد المجتمع إلى مرحلة بدائية يسعى الفرد فيها إلى تحقيق الحاجة الأساسية، ألا وهي الأمن.

يُلاحَظ أنّ الواقع اللبناني على شفير الانفجار من كثرة الجرائم العلنيّة، ومن دون استهجانٍ عامّ، ومن دون تحريكٍ لمبادئ اجتماعية كالشهامة والمناصرة التي كانت سائدة سابقاً؛ هذا فضلاً عن ازدياد المشكلات الأسرية والعائلية من دون أيّ دور لوجهاء اجتماعيّين يسعون للوصول إلى استقرارٍ أسري، بما يخالف قيماً كانت سائدة في سنوات خلَت. يترافق ذلك مع أزمات سياسية تشكّل انهياراً لمفهوم الدولة بأبعادها كافّة، من مؤسّساتها الدستورية إلى دور المواطن، مروراً بالهيئات المدنية. فالمؤسّسات الدستورية مبنيّة على الأساس الطائفي بدل أن تكون قائمة على المواطنة، وعلى الانتفاع والاستزلام دون الكرامة، فيما تعيش المؤسّسة القضائية في برجٍ عاجيّ، ولا ينظر إليها المواطن إلّا بعين الغربة، ولا تتحرّك لمصلحة عامّة إلّا بما يتوافق مع واقعٍ سياسيّ مشبوه. والمرافق العامّة أصبحت مراكز للانتفاع المالي وفقاً للمُحاصصات الحزبية والطائفية بعيدةً عن تقديم أيّ خدمة عامّة. فقد أضحت الحقوق الأساسية وأكثرها بداهة موضع جدل بكلّ تفاصيلها، ومنها الحقّ في الحياة والصحّة والبيئة السليمة والآمنة وليس انتهاءً بحقّ المعتقد الحرّ وحقّ تغييره من دون أن يؤثّر ذلك على غيره من الحقوق المدنية أو السياسية.

ولعلّه من الجدير عدم نسيان دور المؤسّسات الاجتماعية الوسيطة التي انحرفت من ناحيتها عن دورها الأساسي: من النقابات التي تمّ تقاسمها بين فئات الأمر الواقع تحت اسم الطوائف متناسيةً حقوق العمّال الاقتصادية والاجتماعية، والجمعيات التي أصبحت مركزاً أساسياً للنفوذ وأداةً لتحكّم المنظّمات الدولية والحكومات الأجنبية بمفاصل حياة المواطن الأساسية، والمؤسسات الدينية في هذا الإطار حدّث ولا حرج.

ولعلّ دور المجتمع المدني نشأ بهدف توجيه القرار الرسمي بما يضمن المصالح المتعدِّدة بتوازنٍ، وبشكلٍ يحقّق دورها في المسؤولية الاجتماعية. وفي العادة، تتشكّل هيئات المجتمع المدني من البلديات التي تعكس المجتمع المحلّي، ومن الهيئات الاقتصادية والاجتماعية والنقابية. ويقوم دورها الأساسي – بتكويناته المختلفة – بتحقيق إنجازات تحمي مصلحة الفئات الشعبية غير المتمثّلة في القرار السياسي المباشر وتعكس هويّة هذه الفئات.

إلّا أنّ الواقع اللبناني، بتكوينه السلطوي المركَّب، أدّى إلى انحراف هذه المؤسّسات عن مسارها المُفترَض، بحيث عكسَت واقع السياسة والمال والطائفة التي تُجسِّد النظام الحاكم. ولئن كانت هذه المؤسّسات قد نشأت أساساً لإعادة التوازن إلى التركيبة السياسية الاجتماعية الاقتصادية، إلّا أنّها في لبنان أصبحت تشكّل وجهاً آخر من وجوه التركيبة الثلاثية الأبعاد، وابتعدت عن دورها الحامي لفئاتٍ شعبية مواطنية.

فالبلديات تعكس التركيبة السياسية وتسعى إلى تطبيق القرار السياسي بمصالحه الخاصّة، المحلّية والدولية، والهيئات الاقتصادية تعكس المصالح المالية الفردية، وتسعى الأحزاب إلى تنفيذ النزعة الطائفية والمذهبية، وتنفِّذ النقابات، التي تمّ تقاسمها سياسياً، المصلحة المقرَّرة من السلطة.

 

الحراك المدني

يشكّل الحراك المدني مرحلة جديدة من مراحل الحياة المواطنية والاجتماعية، وفي تأسيس ثقافة أصيلة في لبنان. إذ إنّه- أي المجتمع المدني- عنصر رقابة على مؤسّسات الدولة، ووسيلة ضغط على الأجهزة الرسمية – السياسية من خلال مجموعات المجتمع المحلّي الذي لا يجد نفسه متمثلاً بالتركيبات التقليدية. فقد روّج الحراك لمفاهيم الحقّ والعدالة الاجتماعية، ولدور المؤسّسات، مع إصراره على طرح مفهوم المحاسبة، وذلك في دولةٍ استلم فيها أمراء الحرب السلطة في البلاد. بحيث لم يعد تعبير المحاسبة قانونياً فقط، وإنما بات تعبيراً ثقافياً دخل في مفردات الحياة اليومية.

وبذلك، أدخل الحراك مفهومَ المواطن من خلال تكريس حقوقٍ جامعة بين الدولة والفرد، من دون تمييز على أساس الطائفة، ومن دون التوجّه إلى الزعماء الطائفيّين، وهذا على خلاف كلّ الممارسات السابقة.

ولئن بقي دور الحراك متواضعاً في نظر الرأي العام الذي يتعطّش إلى تغييرٍ جذريّ لهذا الواقع، فإنّ منطق القول يدفعنا إلى التأكيد على أنّ التغيير لا ينشأ بشكل فوري إلّا إذا كان مُفتعلاً؛ أمّا التأسيس لنهجٍ مختلف، فيحتاج إلى فكرٍ حرّ وثقافة جديدة تنتشر لتصبح حالة عامّة شائعة يمكنها أن تفرض نفسها، على الرّغم من محاولات الاستفزاز والتحريض الطائفي والمذهبي أو حتّى المناطقي.

لقد بدأ هذا الحراك المدني إذاً بزرع مفاهيم جديدة نابعة من ثقافة حقوقية وقانونية في المجتمع اللبناني، مبنيّة على الحقوق الأساسية وعلى أهمّية دور المؤسّسات التنفيذية والرقابية للدولة، وعلى فرض دورٍ لجهات مراقبة جديدة نابعة من المجتمع المدني نفسه.

إنّ قيام الدولة لا يتمّ بقرارٍ دولي، كما حصل في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، يحدِّد إقليماً بما يتضمّن من شعب ويقوم بإسقاط نظامٍ عليه، وإنما هو يُحدَّد بشعور الناس بالانتماء إلى هذه الأرض وإلى القوانين الحاكمة. وتصبح بالتالي المؤسّسات هي الوسيلة والوظيفة التي يتمّ من خلالها تحقيق المصلحة العليا والمشتركة لهذه الجماعة التي تبدأ بالحقّ بالكرامة وبحياة سليمة ولا تنتهي بحقّ الأجيال القادمة.

*أستاذة في القانون- الجامعة الّلبنانيّة

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف