المواطنة والدولة المدنيّة

 

عقل إبراهيم الباهلي*

 

كَثُر الحديث في الوطن العربي بعد أحداث "الربيع العربي" عن مرتكزات العلاقات العربية العربية، وما هي العلاقة بين الحكومات والشعوب، وما هي الأسباب التي أدّت إلى كلّ هذا الدمار والحروب الأهلية وعودة الطائفية والقبلية والعرقية إلى التجلّي والظهور القاتل لكلّ مؤسّسات الدولة العربية ما قبل الربيع العربي، وما هو الطريق الآمن لإعادة البناء على أسس مُنجزة وقابلة للانتقال المستقبلي والبناء الإيجابي التراكمي.

سأتناول في هذه المساحة أحد أهمّ أسس البناء المستقبلي القادر على إعادة بناء الدول العربية وتحفيزها إلى منهج مشابه للاتّحاد الأوروبي أو على الأقلّ البناء الاقتصادي المشترك كبداية. ما أعنيه هو علاقة المواطنة بالدولة المدنيّة. نكتشف الآن كيف أن كثيراً من التغيّرات السياسيّة الحديثة في بلاد العرب، أي من الثورة العربية الأولى وما تبعها من ثورة العام 52 في مصر والثورات في العراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان، فضلاً عن التطوّرات اللّاحقة بعد توحيد الإمارات العربية وتحرير الجزائر واليمن بعد ثورة 52 في مصر، كانت- أي التغيّرات السياسيّة – كما عاشتها شعوب المنطقة واعتقدت بها، إرهاصات إيجابية نحو الوحدة العربية؛ وهذه هي مشاعر العرب في تلك الفترة، على الرغم من أن جزءاً من العرب كان معادياً لتلك التغيّرات وواجهها حتّى بالسلاح. في تلك الفترة من العام 1952 إلى العام 1970 انقسم العالم العربي إلى دول وطنية قومية ودول محافظة، ولكنّ الصوت الأعلى والأكثر قبولاً لدى الشارع، كان صوت دول التحرّر من الاستعمار، كما كانت توصف آنذاك. وظلّ الصراع العربي قابلاً للانفجار ومحرّكه الأساسي قضية فلسطين والإدّعاء دائماً بأنّ دول التحرّر معادية للغرب وإسرائيل، وبأنّ تلك المحافِظة تتآمر على قضية فلسطين؛ ويرافق هذا الضجيج مهاترات قُطرْية هنا وهناك. فأين الخلل؟
في اعتقادي، وأستند هنا إلى ما ظهر من وثائق بريطانية وأميركية، لعبتْ المنطقة العربية، بحكم موقعها الاستراتيجي أولاً، وبحكم ما ظهر لاحقاً من مخزوناتِ نفطٍ وغاز، دوراً بارزاً، وكانت الأنشطة السياسية والجهود العربية توجّه الأحداث بحسب مصالح الدول القادرة على التأثير: أميركا وأوروبا. من دون شكّ، كان في المنطقة العربية قوى شريفة ووطنية، لكن قلّة خبرتها السياسية، أوجد لها الكثير من المتاعب، وجرى إضعاف تلك النخب من حركة الشعوب، وأصبح الشعار في المنطقة العربية "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
ولنعد قليلاً إلى ما قبل الثورات العربية. حيث عرِفت مصر وليبيا والعراق وسوريا برلمانات وأحزاباً معارِضة.. لكنّ هذه البرلمانات والأحزاب كانت ضعيفة وذات ارتباطات بقوى غربية، كما كانت نتاج مرحلة تاريخية وسلوك نخب. ولأنّ الدول الغربية ليس في جدول مصالحها أن تدفع بحكومات ما قبل الثورات العربية إلى شيء من الانفتاح السياسي، اعتقدت الحكومات ذات الأنظمة الملكيّة، على الرّغم من وجود البرلمانات لدى بعضها، أنّها تمثّل كلّ شيء في حياة شعوبها ونسيت أنّ التهميش السياسي يُفقِد الدولة قوى علمية وثقافية واقتصادية يمكن أن تصنع من البلد نموذجاً متقدّماً بأقلّ تكلفة. صوت العقلانية كان موجوداً وبكثرة. ولذلك كانت السجون العربية في البلدان العربية والوطنية مليئة بالأخيار الذين كانوا يسمّونهم الأشرار والعملاء أو الخارجين عن القانون. أمّا جريمتهم الوحيدة فهي أنّهم كانوا ينصحون حكوماتهم- والكثير منهم فقد الأمل بأن تسمعه الأنظمة – فاتّجهوا إلى العمل السرّي، وفيهم مَن نجح، وهم قلّة، وفقد الشرفاء منهم حياتهم أو عاشوها في السجون . ولم يُسمع الناصحون إلّا حينما حدثت حرب العام 1967 واكتشفت الشعوب هشاشة الأنظمة السياسية وعجزها وفشلها في كلّ شيء.
بعض الأنظمة اعترف بالهزيمة، لكنّه عجز عن إنجاز مشروع نهضة، ووعد الناس قبل هذا المشروع بأنّ علينا تحرير الأرض أولاً، وأمضى المواطن العربي 60 عاماً، لم تتحرّر خلالها فلسطين ولم يقم التقدّم المُرتجى. المواطنة والدولة المدنيّة شيء مختلف عمّا عاشته المنطقة العربية. صحيح أنّ بعض الحكومات تمظهرت ببعض التمدّن والتوجّهات نحو أنموذج الدولة المدنيّة، لكنّها كانت تؤمن بأنّ الأمن السياسي هو العمود الفقري لبقاء الدولة، ولم تؤمن أبداً بأنّ الإنسان هو صاحب الحقّ في إدارة الدولة، وأنّ جهاز الدولة أداة تنظيم. كيف تعتقد بعض الحكومات أنّها دول مدنيّة وهي تحارب الرأي والنقابات والأحزاب والفنون والفلسفة والديمقراطية وتحرم جمعيات حقوق الإنسان، وبخاصّة أنّ لكلّ بلد عربي تخصّصه من تلك الممنوعات؟
لا يخفى على أحد مرحلة التغييب المتعمَّد للشعوب من العام 1960 حتّى العام 2011 ، على الرغم من أن ما بعد الـ70 أفضل ممّا قبله، على الأقلّ لأنّ شوكة الحكومات خفّت، وزاد صوت النخب علوّاً، بعد أن ساعدت في ذلك التطوّرات الدولية وتطوّر الاتصالات.
الربيع العربي هو أحداثٌ لها مسبّبات عديدة، وفاعلون كثر، وحديث مؤامراتي لا يدعو إلى الطمأنينة، لكنّ الحقيقة مؤلمة. ما يحدث صنعته الحكومات العربية بتهميش المواطن وقمعه، وحتّى بقتل أهله وأقاربه باسم أمن الوطن. وقد بقي شرفاء العرب أكثر من 40 سنة في سجون الحكومات التي كانت تدّعي الوطنية، لسبب بسيط هو محاولتهم إيصال صوت المواطن وأفكاره حول الانتقال السلمي والمشاركة الشعبية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
المواطنة تنمو وتتعزّز في الدولة المدنيّة وتُهمَّش في الدولة الإيديولوجية؛ والوطن العربي وتجربة السنوات الستّين الماضية خير شاهد. سيقول قائل كيف مع كلّ هذا العسف تبقى الشعوب ستّين سنة من دون أن تغيّر في أحوالها! وأقول ابتلينا بحكومات متعدّدة القوّة، فالتقدمية والوطنية قمعت الناس بالحديد والنار، لأنّها اعتبرت المعسكر الاشتراكي حليفاً استراتيجياً، فأخذت من النظام الاشتراكي تجربة الأمن ووضعتها في نظامها الديكتاتوري ووفّرت لها الدول المحافظة مصادر اقتصادية جيّدة، شعر المواطن معها بحالة من الرفاه ظنَّ معها أنّه الأفضل.
المنطقة العربية تعاني من ضعف السلوك المدني نتيجة التجريف السياسي، وما حدث بعد "الربيع العربي" هو تنفيس أعمى. فالإنسان حينما يحاصر، ربما يتصرّف بشكل غير عقلاني، وهذا ما حدث بعد "الربيع العربي". والغريب أنّ هناك نخباً، مع الأسف، تحاول إقناع الناس بأنّ ما قبل الربيع أفضل ممّا بعده؛ وهؤلاء بعضهم سذّج وبعضهم الآخر تحرّكه مواقف مشبوهة.
الدولة المدنيّة هي الحلّ، وهي الطريق الآمن إلى المستقبل. تكفي معرفة أنّ العالم كلّه يأخذ بالدولة المدنيّة ما عدا كوريا الشمالية وكوبا والكثير من البلدان العربية. مشكلة الإنسان العربي أنّه يريد التقدّم والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنّه يخاف من الثمن. ولذلك حينما بدأ "الربيع العربي" شاركت الجماهير والنخب فيه، وحينما ظهر قيح الاستبداد، أرعب المواطن. وهذه مرحلة علينا عبورها بدمائها وآلامها.
على القيادات الجديدة أن تتحدّث عن الآلام والتضحيات حتّى نعبر إلى المستقبل. علينا أن نتذكّر أفريقيا وأميركا اللاتينية وكيف عبرتا وتجاوزتا آلامهما. المؤسّسات المدنيّة للدولة هي بداية الحلّ. فتكون البداية الجادّة بمشروعات الإصلاح، وتخلّي الحكومات عن تهميش النخب، وإطلاق مؤسّسات المجتمع المدني والأحزاب وجمعيات حقوق الإنسان، وتشجيع الفنون، ومحاربة الفساد، والاقتناع بأنّ الحل كامن في تطوير الممارسة الديمقراطية وتحمّل إخفاقاتها. المواطنة تعزّزها الحقوق، والحقوق لا تتوافر إلاّ في الدولة المدنية. مشكلتنا في المنطقة العربية، وتحديداً مشكلة الحكومات، أنّه على الرغم من زلزال انهيار المعسكر الاشتراكي و"الربيع العربي"، لا نزال نسمع أصوات مسؤولين يتحدّثون عن مؤامرات الغرب حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وليكن جليّاً للجميع أنّ أيّ نظام لا ينخرط في السياق الأممي الإنساني، ويحترم مواطنيه، ويمنحهم حقوقهم عن قناعة، ربما يكون قادراً على تضليلهم لفترة من الزمن؛ لكنّ قوّة التواصل الحديثة، وارتفاع مستويات الوعي بسرعة هائلة تجعل الحكومات غير قادرة على صناعة الكذب إلى ما لا نهاية. ولذلك، مَن ينهج أسلوب الممانعة للتقدّم والتمدّن والديمقراطية، مهما كانت شرعيّته وقوتّه، فإنّ سقوطه لا محال آت. فكلّما تأخّر الإصلاح والاستجابة للشعب، كان السقوط أعنف والآثار أكثر فظاعة. والخيار من ثمّة مفتوح.

 

*كاتب وباحث من السعودية

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف