تحوّلات مفهوم المواطنة

 

فوزي بوخريص*


تعدّدت في العصر الراهن مفاهيم المواطنة وانفتحت على تعدّد المعاني التي راحت تكتسيها. فلم يعد العيش في إطار وحدة تاريخية وسياسية توحّد المواطنين داخل المجتمع هو المعيار الأوّل والأخير لتحديد المواطنة. أي لم تعد الطبيعة السياسية للتعاقد هي التي توحّد الشركاء في وطن ما، وإنما المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية أيضاً.
فماذا عن هذه المواطنة التي لا تتحدّد بمجموعة الحقوق والحرّيات السياسية، وإنما بمجموعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أيضاً؟


المواطنة ليست الجنسية nationalité، حتّى ولو أن المفهومين غير قابلين للتمييز قانونياً في بعض البلدان: فالجنسية تشير إلى الانتماء إلى دولة قومية، بينما تؤسّس المواطنة الحقَّ في المشاركة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وفي تدبير المجتمع.

صحيح أن تعاريف المواطنة في مختلف المرجعيات الوطنية لا تتطابق، فهي نتاج صراعات وتسويات بين تصوّرات مختلفة، بين فئات اجتماعية متعارضة، تبعاً لعلاقات القوّة القائمة بينها، إلّا أنه يوجد على الرغم من ذلك خاصّية مشتركة مميّزة للمواطنة الحديثة في كلّ البلدان الديمقراطية، تتمثّل في بعدها الكوني والديمقراطي الذي يستهدف- كمشروع – إدماج كلّ الأفراد في الحياة الاجتماعية، مهما كانت مميّزاتهم الإثنية والعرقية والتاريخية والثقافية. فالمواطنة باعتبارها أساس تنظيم المجتمع الديمقراطي، هي في الوقت نفسه مبدأ الشرعية السياسية ومصدر الرابطة الاجتماعية، حيث لم تعد الرابطة الاجتماعية التي توحّد الناس في المجتمع الديمقراطي تقوم على أساس ديني أو سلالي أو غيره، وإنما على أساس سياسي. فالعيش المشترك، لم يعد يعني اقتسام الدين نفسه أو الانتماء السلالي نفسه، وإنما يعني أن يكون المرء مواطناً في التنظيم السياسي نفسه ويمتلك قدراً من السيادة السياسيّة يتيح له الحقّ في التصويت، وفي الترشّح والتقدّم إلى الوظائف الانتخابية و/ أو إلى السلطة، على قدم المساواة مع غيره.

فمبدأ المواطنة يتيح تدبير اختلاف الناس، أفراداً وجماعات، بالنظر إلى أنه يَضمَن الإدماج السياسي لكلّ المواطنين، مهما كان اختلاف أصولهم، كما يتيح لهم الحفاظ، في إطار حياتهم الجماعية، على التزامهم بمرجعيّاتهم التاريخية والثقافية أو الدينية الخاصّة. من هنا، فإنّ المواطنة الحقّة هي مبدأ للاندماج الاجتماعي لأفراد المجتمع وجماعاته، بغضّ النظر عن الاختلافات والتفاوتات القائمة بينهم (الأصول التاريخية والمعتقدات الدينية والظروف الاجتماعية… إلخ).

تخضع المواطنة بمعناها الكلاسيكي للنقد والمراجعة في الوقت الراهن، بل وللإثراء من خلال الحديث عن أبعاد أخرى لها. فمنذ أكثر من عقدين من الزمن، بدأت تظهر بوادر ” أزمة مواطنة “، مرتبطة على الخصوص بتصاعد عزوف الناخبين في مختلف الاستشارات الانتخابية. فعندما يشعر الأفراد بعجز المؤسّسات السياسية أو شكليّتها أو ضعفها الداخلي(نظام استبدادي ومواطنة شكليّة) أو الخارجي (مؤسّسات فوق وطنية، مثل الاتّحاد الأوروبي- مواطنة أوروبية)، يتولّد لديهم الشعور بأنّ أصواتهم لا فعالية لها. كما أن المواطنة الكلاسيكية أخذت تصطدم، خلال العقود الأخيرة، بمطالب جماعاتيّة متنوّعة (جهويّة ودينيّة وجنسيّة). فاعتماد قوانين مثل المناصفة بين الرجال والنساء في المجال السياسي، بقدر ما أفضت إلى تمييز إيجابي لفائدة النساء، وضعت حدوداً للطابع المجرّد والكوني للمواطنة. وتعرّضت المواطنة الكلاسيكية للمساءلة أيضاً، من خلال الحديث ليس عن مواطنة غير سياسية فحسب، وإنما عن مواطنة اقتصادية واجتماعية كذلك، وذلك من منطلق أن المساواة في الحقوق السياسية تحثّ الأفراد على المطالبة بالمساواة على مستوى الظروف الاقتصادية. إذ لا يمكن أن نجعل من المساواة السياسية والقانونية أساساً للرابطة الاجتماعية من دون أن نسعى في الوقت نفسه إلى جعل الظروف الاقتصادية والاجتماعية أقلّ تفاوتاً. والسياسة التي تسعى إلى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين هي في الوقت نفسه نتيجة لممارسة المواطنة وشرط لها. حيث لم تعد المواطنة تتحدّد بمجموعة الحقوق والحرّيات السياسية، وإنما بحقوق اقتصادية واجتماعية. من هنا، لم يعد ما يحدّد المواطنين داخل المجتمع وما يوحّدهم هو العيش في إطار وحدة تاريخية وسياسية فقط، وإنما الانتماء إلى تنظيمٍ لإنتاج الثروات وتوزيعها باسم قيم مشتركة، لا يكون التعاقد ذو الطبيعة السياسية فيه هو فقط الذي يوحّد الشركاء، وإنما المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية أيضاً.

والواقع أن هناك علاقة أساسية بين العمل المنتج والمواطنة. فالمجتمع الحديث مؤسَّس على القيمة المزدوجة للفرد- المواطن والمنتِج. حيث يكتسب المواطن الحديث كرامته وهو يشتغل. وقد سبق لفلاسفة القرن الثامن عشر أن أكّدوا على أن المواطنة غير مفصولة عن نشاط الإنتاج وعن القيمة الممنوحة للعمل في مجتمع يقوم على طموح التحكّم بالطبيعة. وهكذا، فبعد المعنى السلبي الذي ارتبط بالعمل، اكتسب العمل في الحقبة الحديثة طابعاً إيجابياً، وتحوّل إلى نشاط يحقّق فيه الإنسان ذاته، ويجسّد فيه حرّيته، ويعبّر فيه عن تضامنه مع غيره من الناس.

من هنا فإن المواطنة الحقّة هي حصيلة ” المواطنة السياسية والقانونية “ التي بقدر ما تمنح شرعية سياسية للدولة، تعزّز الرابطة الاجتماعية، و ” المواطنة الاقتصادية والاجتماعية “ التي تمثّل شرطاً لممارسة الديمقراطية الفعليّة، بحكم أنها تضمن كرامة المواطن..

إن الشغل الذي يختاره الفرد أو يقبله بحرّية، وفي شروط عادلة ومُرضية، يتيح له أن يكون مواطناً. فالفرد الذي نشأ مع نشأة الحداثة السياسية، هو المواطن والإنسان الذي يشتغل من أجل التحكّم بالطبيعة. وكرامة الإنسان الحديث تقوم إذن على ممارسة المواطنة والنشاط المنتِج.

ويتبنّى بعض الباحثين فرضية أنّنا نعيش اليوم مراحل التكريس التدريجي لبراديغم العمل كمبدأ للاندماج، والذي تبرز من بين مظاهره الأساسية ظاهرة تقلّص مدّة الحياة النشِطة. لكن كوننا نعمل أقلّ اليوم، لا يعني بالضرورة أن العمل لم يعد معياراً ولم تعد له قيمة ولم يعد ينظّم الحياة الجماعية، كما لا يعني إعادة النظر في أهمّية العمل وفي وظيفته الإدماجية. فالذي ليس له ” سبب قوي “ (سنّ أو حالة صحّية) يحول دونه ودون قدرته على العمل، يشعر أنه مقصيّ من تبادلات الحياة الجماعية. فالواقع أن العمل، وأياً كانت الأشكال التي يتّخذها، يظلّ في تجدّد دائم، ويظلّ أيضاً محوراً أساسياً في الحياة في الديمقراطيات الحديثة، لأنّه يستمرّ في كونه بمثابة ”الدامِج الكبير “Le « grand intégrateur » .

*أستاذ علم الاجتماع – جامعة القاضي عياض- المغرب

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف