في البرجماتية.. ما لها وما عليها

 

أحمد فرحات

يربط الدارسون المختصّون جذور الفلسفة البرجماتية بالتراث الفلسفي اليوناني القديم، إذ يرون خطوطاً لها قوية في فلسفات السفسطائيّين، وعلى رأسهم الفيلسوف بروتاجوراس (490 – 410 قبل الميلاد) الذي كان يرى أن الإنسان هو مقياس كلّ شيء، "مقياس ما يوجد من الأشياء، ومقياس ما لا يوجد منها".. وكذلك في بعض أطروحات أفلاطون الذي عاين أيضاً "أن كلّ فرد، هو مقياس ما هو حقيقي بالنسبة إليه، وليست هناك حقيقة سوى الإحساسات أو الانطباعات التي تنتاب كلّ واحد منّا."

لكن الارتباط الذي ظهّر البرجماتية على نحو واضح وجلي التحديد، كان قد تبلور في النصف الثاني من القرن العشرين، على يد مؤسّسها الفيلسوف الأميركي تشارلز بيرس (1839- 1914)، حيث بيّن في مقالة له تحت عنوان:"كيف نجعل أفكارنا واضحة؟" بأنه "لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما، فإننا لا نحتاج إلا إلى اعتبار ما قد يترتّب من آثار، يمكن تصورها ذات طابع عملي، قد يتضمّنها الشيء، أو الموضوع".

ومن أبرز الفلاسفة الحديثين الذين نظّروا للبرجماتية، ورسموا شبكة خارطة مفاهيمها، الفيلسوف الأميركي وليم جيمس (1842- 1910).. فقد وصف في كتابه: "البرجماتية" (إصدار العام 1907) الموقف البرجماتي "بأنه الموقف الذي يحوّل النظر بعيداً من الأشياء الأولية، والمبادئ والقوانين والحتميات، والمقولات المسلّم بها، ويتجه إلى الأشياء الأخيرة، أي إلى الثمرات والنتائج  والآثار والوقائع  والحقائق".

ويطلق على الفلسفة البرجماتية تسميات رديفة أخرى، من أبرزها: النفعية، والآدائية، والتجريبية، والوضعية..إلخ، ودائماً ما تربط البرجماتية بأذهان المعنيّين فيها، من مفكرين ومثقفين وسياسيّين ودارسين بأنها عنوان لفلسفة أميركية خالصة.. انبثقت كما يردّدون "من الروح المادية للقرن العشرين، وارتبطت بتطوّر مناهج البحث العلمية، والاتجاهات الواقعية المعاصرة، وهي "يانكية" النشأة، رأسمالية الاتجاه".

وتتفق البرجماتية مع الفلسفة الماركسية في الارتداد إلى المادة والواقع، وفي استخدام الأسلوب العلمي، لكنها تختلف عنها جوهرياً في مدلولها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لأنها تمثل فلسفة المجتمع الرأسمالي.

ومصطلح البرجماتية في أصله اللغوي، مشتق من كلمة يونانية تعني "العمل النافع"، أو "المزاولة المجدية"، أو "ما تتيحه لك الطبيعة المتوضّعة"، ويصبح المقصود منها هنا هو "المذهب العملي"، أو "المذهب النفعي".

تحارب البرجماتية المذاهب المثالية في نزاعها مع الواقعية، وترفض بحث مشكلة أسبقية الفكر على الواقع، أو العكس، لأن فلاسفتها يريدون أن يجعلوا نظرية المعرفة أداة للعمل، ووسيلة للاستفادة من الواقع، والسيطرة عليه، بدلاً من النزاع حوله. لذلك كانت البرجماتية منهجاً علمياً قبل أن تكون فلسفة ميتافيزيقية، وهي طريقة للعمل والممارسة، وليست كامنة في طبيعتها، وإنما في ما ينتج عنها من آثار عملية تفيدنا في حياتنا.

كما أن الحقيقة أصبحت تقاس ليس بمدى تناسقها في عقولنا – كما يقول المثاليون -، ولا بمدى تطابقها مع الواقع الخارجي- كما يقول الواقعيون-، إنما حقيقة الفكرة تتمثل في الممارسة العملية، التي تدفعنا للقيام بها، وبمدى النفع الذي سيعود علينا منها.

أميركا تربة نموّها وازدهارها

هكذا إذن، وكما تبيّن لنا، فقد نشأت البرجماتية كمذهب عملي نفعي في الولايات المتّحدة، وساعد على نشأتها انتشار استخدام الطريقة العلمية، وما ترتب عنها من نفع عملي، وتقدّم صناعي، عائد إلى قدرة الإنسان على فهم الطبيعة، والسيطرة عليها، والاستفادة منها أو استثمارها.

هذا بالإضافة إلى أن البرجماتية وجدت في النظام الرأسمالي الأميركي خير تربة للنموّ والازدهار، لأن الرأسمالية بعامة تقوم على مبدأ المنافسة الفردية الحرّة، التي يرتبط بها العمل المنتج النافع.

كما ان النظام الرأسمالي يؤكّد اتجاه الأميركيّين، ليس إلى فهم الواقع لذاته، أو بحث مدى أسبقية الفكر على الواقع فقط، وإنما إلى فهم الواقع لاستغلاله والسيطرة عليه، سعياً وراء المنافع التي ستعود عليهم من ذلك.

لذلك كان الفلاسفة المؤسّسون لهذا المذهب، هم في أغلبهم من الأميركيّين، الذين انتشرت أفكارهم بعد ذلك في باقي أنحاء العالم، وأصبح لهم أتباع كثر من الفلاسفة والمفكرين خارج الولايات المتّحدة الأميركية. ومن هنا قرّر أيضاً المؤسّس الأول لهذا المذهب، الفيلسوف الأميركي تشارلز بيرس، أن كلّ فكرة لا بدّ أن تكون تمهيداً لعمل ما. ثم جاء بعده الفيلسوف الأميركي، وليم جيمس ليقيم بناء المذهب، ويؤكد أن العمل والمنفعة هما مقياس صحة الفكرة، ودليل صدقيتها، وظهر بعد ذلك الفيلسوف الأميركي جون ديوي (1859- 1952) ليتمّم بناء المذهب، ويقرر أن العقل هو أداة العمل ووسيلة المنفعة.. ويقول بالحرف الواحد "إن العقل ليس أداة للمعرفة، وإنما هو أداة لتطوّر الحياة وتنميتها، فليس من وظيفة العقل أن يعرف، وإنما عمل العقل هو خدمة الحياة".

كما ركز ديوي وغيره من فلاسفة البرجماتية على التربية، وعلى أن هذه الأخيرة هي الحياة، وتعليم النشء في نظرهم، إنما يكون في كيف يفكر في حياة دائمة التبدّل والتغير، ويتكيف عملياً وواقعياً معها للتو، وفي ما بعد.

باختصار، التربية عند البرجماتيّين، لا تقوم على المعرفة من أجل المعرفة، وإنما للأخذ بيد النشء، كي يواجه احتياجات نبض الواقع والبيئة، إذ إن الطفل مثلاً، كائن اجتماعي مبتكر، ولا ينمو إلا بالاتصال المنتج مع الآخرين. ولذلك رأينا ديوي يركّز على الاعتماد على الخبرة، ويعرّف التربية "بأنها عملية مستمرة لإعادة بناء الخبرة".. ويربط استمرار الخبرة بحقيقة خبرة أخرى ماثلة أمامها، وكلاهما يتأثر دوماً بالبيئة.. وعليه، فلا أحد ينكر أن الخبرة التي يكتسبها الطفل في بيئة مثقفة معيّنة، تختلف بالضرورة عن تلك البيئة التي تتصف بعكسها.

بوجيز العبارة، يرى البرجماتيّون أن ما يتعلمه المرء يجب أن يمارسه، ولا قيمة، بالتالي، لعلم لا يمارسه ذووه. والعلم في حقيقته مسألة متغيّرة ومتطوّرة. لذلك، وبحسب وليم جيمس، فإن الحقيقة هي عبارة عن "مطابقة الأشياء لمنفعتنا، لا مطابقة الفكر للأشياء". والحقيقة عنده "هي مجرد منهج للتفكير، كما أن الخير هو منهج للعمل والسلوك، فحقيقة اليوم قد تصبح خطأ في الغد". وعليه، "فالمنطق والثوابت التي ظلّت لقرون ماضية، ليست حقائق مطلقة، بل ربما بالإمكان القول اليوم، وبلا تحفظ، بأنها خاطئة اليوم".

حاصل الكلام إن "العمل عند وليم جيمس هو معيار الحقيقة، فالفكرة صادقة عندما تكون مفيدة.. وترجمة ذلك أن النفع والضرر، هما اللذان يحددان الأخذ بفكرة ما أو نبذها.. وأن الحق، إنما هو فرض عملي، أي مجرد أداة نختبر بها التصور أو القيمة، من خارج مقولتي "الزمان" و"المكان".

وإذا كان الإنسان هو عقله، كما يقول فلاسفة مناقضون لفلاسفة البرجماتية، إلا أن الأخيرين يهونون جداً من مسألة العقل البشري، ويرون أنه من الخطأ الادعاء بوجود عنصر منفصل، وقوة خفية اسمها العقل. فالعقل عندهم، هو هذا التوجيه الحاذق لضروب التفاعلات بين الإنسان والبيئة.. بيئته.. والتفاعل، هو الخبرة وعنوانها العريض. والخبرة جزء من الطبيعة. ومن هنا هم يرون إن العلم انتهى إلى ما يمكن أن يسمى "تطبيع العقل"، أي جعله جزءاً من الطبيعة وظاهرة من ظواهرها. وهذا معناه أن ليس أمامنا، على مستوى دراسة الظواهر، سوى منهج واحد، هو المنهج العلمي الوضعي. ومن هنا وجدنا وليم جيمس يقول مثلا في كتابه "أصول علم النفس": "العلامة الدالة على وجود العقل في أي ظاهرة سلوكية، هي أن نلحظ فيها استهداف غايات مستقبلية، واختباراً للوسائل المؤدية إلى بلوغ تلك الغايات."

البرجماتية في مقابل الأدلجة

أجمع المترجمون العرب على أن مصطلح الذرائعية، هو خير مؤدّى بالعربية لتعبير pragmatism بالأجنبية، وإن رأى آخرون أن تعبير "النفعية"، هو الأكثر قبضاً على المعنى الأجنبي هنا. وفي كلّ الأحوال، تتميّز البرجماتية بأنها فلسفة الإصرار على المنفعة وتوكيد كل الدواعي التي تقود إليها.. في الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع..إلخ. وتبعاً لذلك باتت هي المبدأ السياسي والإداري الديناميكي والمتطور في دول الغرب المتقدم، وفي الطليعة بينها، الولايات المتّحدة الأميركية. وصار في المقابل التمسك، ولو غير المتشدّد أيضاً، بالمعتقدات السياسية والأيديولوجية، خطأ جسيماً، وذمّاً كبيراً، في عرف البرجماتيّين، وشرعوا في ما بعد، يضعون مصطلح البرجماتي مقابل الأيديولوجي.. فحينما يوصّف إنسان ما مثلاً، بأنه أيديولوجي، فإنما هو بالضرورة بالنسبة إليهم، ذاك الذي يتقيد بمنظومة أفكار ومواقف صلدة، وأهداف نهائية، تحدّد مسبقاً مواقفه العامة.. كالقومية والهوية والوطنية والاتجاه السياسي..إلخ. مقابل ذلك، وعندما يقال إن هذا الإنسان برجماتي، فإنما يفهم من توصيفه، بأنه متحرر من كلّ رابط أيديولوجي، قومي أو سياسي أو حتى ثقافي أو اجتماعي مسبق.. وأنه يتصرف وفق ما يقتضيه ظرفه، أو موقفه المستجد. ومن هنا وجدنا فلاسفة جدداً يسخرون من هذا التصنيف التركيبي، الذي لا يعكس حقيقة الفرد الإنساني الحر فعلاً.. فلقد باتت البرجماتية، ومن فرط اتهامها كل ما حولها من أفكار ونظريات، هي الأيديولوجية الأكثر تزمّتاً من سائر الأيديولوجيات التي تنتقدها، كما يقول الفيلسوف الفرنسي من أصل يوناني كاستورياديس. ومن هنا وجدناه يدعو الى "عدم تشييء الفرد وتعليبه، ومن ثم الكلام عليه كفأر تجارب، سواء داخل علبة الأيديولوجيا، أم في داخل علبة البرجماتية الشفافة".

وإذا كانت البرجماتية في فلسفتها القصوى، هي الفضاء الأكثر إراحة للنظام الرأسمالي الغربي، وبخاصة لجهة ما يطلق عليه بالمبادرة الحرة، وجرأة التنافس، والاعتماد على الذات، وحب المغامرة، والتحرر من التقاليد على اختلافها، إلا أن البرجماتية تسبّبت في المقابل، بأخطاء قاتلة ومهدّدة بالتالي للنظام الاقتصادي الحر، وذلك بحسب  فيلسوف العقلانية العربية الحديثة الدكتور فؤاد زكريا، الذي يرى ثلاث خطايا كبرى للبرجماتية:أولاً، اللاأخلاقية.. فعلى الرغم من تقيّدها ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة المواعيد، ولكنها (كفضائل هنا) ليست مقصودة لذاتها، ولكنها تفيد الرأسمالي في تعامله مع الغير، وتظهر اللاأخلاقية الخاصة بالبرجماتية، بوضوح في أساليب الدعاية والإعلام.

ثانياً، الارتباط الوثيق بالحروب.. والصراعات بعدها التي تنتج حروباً جديدة.

ثالثاً، الانحرافات السلوكية: وأظهرها الإجرام، إذ إن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة والصراعات بلا ضوابط، من شأنه تأجيج العنف.. والعنف المضاد وما ينتج عنهما من تداعيات مؤسفة لا حاجة بنا إلى شرحها.

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف