عن المواطنة وتدبير الاختلاف في مجتمعاتنا المأزومة

 

د.إدريس لكريني*


على الرغم من مساراته المتعثّرة، شكّل الحراك القائم في المنطقة (بخاصّة في دول ما بات يُعرف بـ”الربيع العربي“) مناسبة للكشف عن مكوّنات المجتمعات بقواسمها المشتركة وتناقضاتها المختلفة. كما سمح برفع عددٍ من المطالب التي تنحو إلى إعادة النظر في العلاقة المتوتّرة بين المواطن والنظم السياسية القائمة، من علاقة يطبعها الحذر والصدام إلى علاقة مبنيَّة على التواصل واحترام الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، في إطار تعاقد اجتماعي جديد كفيل ببلورة مواطنة تحتكم إلى المؤسّسات واحترام الحقوق والواجبات.


كان الحراك الشعبي بمثابة حجر ألقي في بركة ظلّت راكدة لعقود عدّة خلت. فالمناقشات السياسية والأكاديمية والاجتماعية الحادّة التي أعقبت هذا الحراك، أتاحت الفرص لبروز نخب جديدة لم يكد يسمع صوتها، أو رأيها في السابق، بفعل تداعيات الاستبداد. كما سمح لكثير من المجتمعات في المنطقة بإعادة اكتشاف ذواتها.
تختزن الكثير من دول المنطقة العربية مكوّنات دينية وإثنية مختلفة، كما هو الشأن بالنسبة إلى لبنان، والدول المغاربيّة، والعراق، والسودان… إلخ.
إن طبيعة الروابط المشتركة التي تجمع بين مكوّنات المجتمع، من حيث متانتها أو ضعفها، تلعب دوراً محوريّاً في تأمين مسار التحوّل الديمقراطي. ذلك أن ضعف الشعور بالمواطنة، والاختباء خلف انتماءات ضيّقة إثنية كانت أو عرقية أو دينية.. يؤثّر بالسلب على مسار التحوّل ويهدّد وحدة الدولة وتماسك المجتمع. فالصراع الطائفي ومثله المذهبي، أفسد التحوّل نحو الديمقراطية في لبنان والعراق. وقد يتهدّد المشروع الديمقراطي في مصر وليبيا واليمن وسورية.
وإذا كان الشعور بالمواطنة هو أحد المؤشّرات التي تعكس تمتّع الإنسان بحقوقه، فإن مظاهر القمع والشمولية التي فرضتها الكثير من الأنظمة الاستبدادية أفرغت هذا المفهوم من كلّ معانيه النبيلة وقيمه البنّاءة، حيث سعت في كثير من ممارساتها إلى إلغاء حقوق المواطنة وربطتها بالواجبات فقط.

يُعتبر التعدّد العرقي واللغوي والديني والثقافي.. أمراً طبيعياً داخل المجتمعات الإنسانية. ذلك أن داخل القارة الإفريقية التي يتجاوز عدد دولها الخمسين، تتعايش حوالى 2200 إثنيّة متميّزة بلغاتها وثقافتها. وفي آسيا التي تحتضن أكثر من ثلاثة مليارات من الناس، ثمّة أكثر من 2000 إثنيّة متباينة في لغاتها ودياناتها وتقاليدها. وعلى المستوى العالمي هناك حوالى8000 إثنية و6700 لغة.
أثبتت الدراسات والتجارب الميدانية أن درجة انصهار مختلف المكوّنات داخل المجتمع الواحد وتعايشها تظلُّ في جانب مهمّ منها متوقّفة على طبيعة التعامل الذي تسلكه السلطات السياسية والاجتماعية نحوها. فالنأي عن العدالة والحرية والديمقراطية يحرّض مختلف هذه المكوّنات الاجتماعية على الاختباء خلف الخصوصية، والميل نحو الانغلاق عن المحيط العام، والبحث عن مشروعات بديلة خاصة بها. ما يفضي إلى انفجار مظاهر من الصراع والاضطراب والتعصّب والانقسام، فيما التشبّث بهذه القيم والمبادئ يكرّس الوحدة الوطنية، ويدفع نحو التعايش والاندماج.
بعدما ظلّت لسنوات طويلة محكومة بطوق أمني معيّن، وخاضعة في العديد من الأحيان لضبط صارم، باعتبارها شأناً سيادياً داخلياً، استأثرت قضايا التنوّع المجتمعي باهتمام دولي كبير خلال العقدين الأخيرين، نتيجة للتحوّلات الكبرى التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي (سابقاً) الذي فرض سياسات تحكّمية في مواجهة الأقلّيات والإثنيات، وما تلاه من تدويل لقضايا حقوق الإنسان وحرياته التي أصبحت تحتلّ مكانة بارزة من ضمن خطاب مختلف الفاعلين الدوليّين، إلى جانب قضايا حيوية أخرى ظلّت منسيَّة ومهملة بفعل ظروف الحرب الباردة وتداعياتها؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى تلوّث البيئة ومكافحة الإرهاب والأمراض الخطيرة العابرة للحدود.

يحتمل التنوّع بشتّى مظاهره الثقافية، والإثنية، والدينية، واللغوية.. وجهين: أولهما قد يكون إيجابياً بالنظر إلى الدور المهم الذي يمكن أن يُسهم به في تحصين كيان الدولة وتقويته إذا كانت تستوعب أهمّية هذه التعدّدية وترسّخها ميدانياً، والثاني قد يكون سلبياً لما يمكن أن يشكّله من خطر على استقرار الدولة ووحدتها، وبخاصّة داخل الدول التي تتميّز فيها مقاربة هذا الملف بالهيمنة والانحراف.
فمظاهر الحيف والتهميش والإقصاء التي يمكن أن تطال أحد مكوّنات المجتمع ستؤدّي حتماً إلى تدهور التضامن الداخلي وتهديد وحدة المجتمع، وتتسّبب في بروز أزمات اجتماعية وسياسية. في حين أن الممارسة الديمقراطية – اعتماد العدالة بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية- تشكّل مدخلاً كفيلاً بتدبير المشكلات والاختلافات، وضمانةً لترسيخ التعايش المجتمعي ودعم الوحدة الوطنية.
في الوقت الذي توفّقت فيه الكثير من الدول في تدبير تنوّعها المجتمعي، عبْر اعتماد سبل ديمقراطية مختلفة، كما هو الشأن بالنسبة إلى بلجيكا وفرنسا، فإن دولاً أخرى شهدت انفجارات عنيفة ودامية للصراعات العرقية والدينية بصورة تعكس وجود خلل كبير في هذا الشأن، كما هو الحال بالنسبة إلى الاتحاد اليوغوسلافي السابق، ورواندا، والصومال، والعراق.
أسهم ترسيخ المواطنة في تطوير المجتمعات وفي تعزيز الحقوق والحريات والمساواة، وتدبير التنوّع داخلها، وتجاوز الولاءات الإثنية والعرقية والحزبية الضيّقة إلى ولاءات أكثر اتساعاً، كما دعمت المشاركة السياسية.
فقد حدث توافق بين مختلف القوى السياسية في الهند التي تحتضن عدداً كبيراً من الأعراق والأديان والطوائف، تمخّضت عنه بلورة دستور ديمقراطي بعد الاستقلال.. والأمر نفسه بالنسبة إلى ماليزيا التي سعت إلى تدبير تنوّعها بصورة ديمقراطية، وتشهد تطوّراً اقتصادياً ملحوظاً.
إن الوطن الذي لا يستوعب مكوّناته المجتمعية في مختلف تمظهراتها الثقافية والعرقية والإثنية والدينية، ولا يدعم حقوق الأفراد وحرياتهم، في إطارٍ من الأمن والاستقرار، يؤدّي إلى اختلالات تقتل روح المواطنة، وتكرّس الفرقة والتطاحن داخل المجتمع الواحد.
تنبني الممارسة الديمقراطية في أحد أهمّ عناصرها على تدبير الاختلاف، ويتقوّى الشعور بالمواطنة داخل المجتمعات التي تترسّخ في داخلها قيم العدالة والحرية والمساواة، فيما يضعف هذا الشعور داخل المجتمعات التي لا تستطيع استيعاب مكوّناتها المختلفة.
فالمواطنة هي إحدى الركائز التي تنبني عليها الديمقراطية. فهي توفّر المناخ السليم والأجواء السليمة المناسبة لتعايش الخصوصيات والاختلافات الثقافية والحضارية، فيما يكرّس الاستبداد مفاهيم منحرفة للمواطنة، وغالباً ما يربطها بالواجبات من دون الحقوق، بما يجعلها تتحوّل إلى نوع من العبودية.
كما أن الشعور بالمواطنة هو مؤشِّر على تمتّع الإنسان بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والثقافية والسياسية. والمواطنة ليست مجرّد اكتساب الفرد لجنسية ما، بما يترتّب عنها من حقوق وواجبات، وإنما هي شعوره بالانتماء إلى فضاء مجتمعي يتقاسم معه العديد من المبادئ والأفكار والأهداف، بصورة تحفظ كرامته وتجعل الولاء الوطني للفرد يسمو فوق كلّ الولاءات القبلية والعرقية والمذهبية. إنها أساس كلّ ديمقراطية، تتعايش عبرها الخصوصيات الحضارية والثقافية.
إنها تحيل في أسمى معانيها إلى العيش المشترك بتناقضاته وإكراهاته وفرصه، والإقرار بالتنوّع الإنساني والتعدّدية والاختلاف في إطار الوحدة الوطنية، والتعايش والتعاون والتفاهم الإنساني..
وإذا استحضرنا أن الرهانات الكبرى بصدد التحوّلات التي تشهدها المنطقة في الفترة الحالية تظلّ مشروطة باستثمار التضحيات والجهود المبذولة وتوجيه الأحداث خدمة لقضايا الدولة والمجتمع، داخلياً وخارجياً، على طريق بناء أسس تقطع مع الاستبداد والفساد وخرق حقوق الإنسان، فإن السعي لتدبير التنوّع بصورة ديمقراطية، بعيداً من كلّ مظاهر الإقصاء والتهميش، يعدّ مدخلاً فعّالاً لوضع حدّ لمختلف الصراعات والنزاعات الداخلية، ولبناء دولة مدنيّة حاضنة للجميع.
إن ما تشهده دول الحراك العربي من تحوّلات يُبرز حجم المشكلات الخطيرة التي تراكمت على امتداد سنوات عدّة نتيجة للاستبداد والفساد وغياب الحريات، وهشاشة مؤسّسة القضاء، وعدم القدرة على تدبير الاختلاف المجتمعي في أبعاده العرقية والإثنية والدينية.. بشكل ديمقراطي. وهي عوامل تجعل من أيّ مبادرات إصلاحية في غياب مصالحة وطنية شاملة أمراً نسبياً وهشّاً، بل وتجعل هذه الأقطار عرضة لتكرار الاستبداد ولمزيد من الأزمات الاجتماعية والسياسية، ما يفتح الباب ويبقيه مشرّعاً أمام سيادة مظاهر الانتقام وانتهاك حقوق الإنسان بمختلف المظاهر والأشكال.

*أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاضي عياض مراكش- المغرب

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف