خريطة الثنائيّات اللغويّة في الوطن العربي

 

د. محمود الذوادي*


ثمّة فرق بين الازدواجية اللغويّة والثنائيّة اللغويّة. فالأولى هي استعمال لسانين من الأصل نفسه، مثل استعمال الشعوب العربية للّغة العربية الفصحى والعاميات/اللهجات العربية المحلّية في المجتمعات العربية. أما الثنائيّة اللغويّة، فهي استعمال الأفراد للغتين مختلفتين ليستا من أصل واحد مثلما ما هو الأمر في مجتمعات الوطن العربي، حيث تُستعمل اللغة الإنجليزية في الحديث والكتابة مع اللغة العربيّة في المشرق والخليج العربيّين، بينما ينتشر استعمال الفرنسيّة مع العربيّة في مجتمعات المغرب العربي. فما هي أصناف الثنائيّات اللغويّة في العالم العربي؟ وما هي آثارها على العربيّة؟


يمكن توزيع خريطة الثنائيات اللغوية في الوطن العربي، على أربعة أنواع، وهي: الثنائيّة اللغويّة الأمّارة، والثنائيّة اللغويّة اللوّامة، والثنائيّة اللغويّة الذكورية، والثنائيّة اللغويّة الأنثوية. فالثنائيّة اللغويّة الأمّارة هي تلك التي لا تكاد تكون فيها للغة الأم/الوطنية المكانة الأولى في قلوب أصحابها أو في عقولهم واستعمالاتهم. نجد هؤلاء غير متحمّسين كثيراً للذود عنها وغير مبالين إزاء عدم استعمالها في شؤونهم الشخصية وفي ما بينهم، في أسرهم واجتماعاتهم ومؤسّساتهم، بحيث تصبح عندهم في حالات عديدة لغة ثانية. أما أصحاب الثنائيّة اللغويّة اللوّامة فهم يغارون على لغتهم ويتحمّسون للدفاع عنها فيلوم بعضهم البعض حتى على ندرة عدم احترام البعض منهم للغة البلاد. ويتمثّل الفرق بين الثنائيّة الذكورية والأنثوية في المغرب العربي في أن النساء يملن إلى استعمال عدد أكبر من الكلمات والجمل الفرنسية ونطقها بالنبرة الباريسية أكثر من الرجال.

الباحثون في الثنائيّة اللغويّة غالباً ما يقتصرون على دراسة ظاهرة ما يسمّى الفرنكو أراب/ المزج بين الفرنسية والعربية لدى مواطني المغرب العربي. فلا يذكر هؤلاء الباحثون أيّاً من الثنائيات المشار إليها سابقاً، فيكتفون باستعمال مصطلح الفرنكو أراب للحديث عن كلّ تلك الأصناف من الثنائيات اللغوية التي يعرفها المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا. فمن المؤكّد أن استعمال الفرنكو أراب كمصطلح عام على المزج بين العربية والفرنسية يُبعد الباحث عن المنهجية العلمية الدقيقة التي تقرّبه أكثر من الفهم والتفسير المتينين لظاهرة المزج اللغوي في تلك المجتمعات. وتتمثّل الخسارة المعرفية والعلمية نتيجة غياب منهجية التصنيف في عجز الباحثين عن ابتكار مفاهيم جديدة مستلَّة من الواقع اللغوي لهذه المجتمعات، ومن ثمّ، العجز عن خلق أطرٍ نظرية وطنيّة/محلّية صالحة لدراسة المسألة اللغويّة في المجتمعات المغاربية المعاصرة.

آثار الثنائيّات اللغويّة على العربيّة

يجوز القول بأن معظم المجتمعات العربية تكاد تكون هي الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي تستعمل لغة أجنبية في تدريس العلوم في جامعاتها ومعاهدها العليا. فتركيا وإيران وإسرائيل تستعمل التركية والفارسية والعبرية في تدريس العلوم في جامعاتها ومعاهدها العليا. فيما تتبنّى الجامعات والمعاهد العربية سياسة الثنائيّات اللغويّة في إنتاج المعرفة واكتسابها. فهي تدرّس العلوم باللغات الأجنبية: الإنجليزية في المشرق والخليج العربيّين، والفرنسيّة في المغرب العربي، على الرغم من أن اللغة العربية معروفة بثرائها اللغوي والاشتقاقي اللذين ربما تتفوّق فيهما على اللغات التركية والفارسية والعبرية، وحتى على اللغة الإنجليزية، لغة العلم اليوم. فمن الناحية الموضوعية، تُعتَبر اللغة العربية قادرة بالكامل على تدريس العلوم إذا أُعطيت الفرصة الكاملة لذلك كما هو الأمر في سوريا والسودان والعراق. ومن ثمّ، فإن سبب تعطيل اللغة العربية عن تدريس العلوم الحديثة بها يرجع إلى عوامل أخرى يأتي في طليعتها تسلّط الثنائيات اللغوية الأمّارة في المجتمعات العربية، وبخاصة في مجتمعات المغرب العربي الفرنكوفوني والخليج العربي الأنجلوفوني. واللافت في هذا الصدد أن المجتمعات المتقدّمة لا تكاد توجد فيها ظاهرة الثنائيات اللغوية الأمّارة، أي سطوة اللغة الأجنبية على اللغة الوطنية في عقر دارها كما هو الحال اليوم في قطاعات عدّة في مجتمعات الخليج والمغرب العربيّين. يُفَسَّر هذا الوضع في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا بطبيعة قوّة الاستعمار اللغوي الثقافي الفرنسي الآمر الذي قاد إلى نجاح هيمنة الثنائيّة اللغويّة الأمّارة على أغلبية فئات تلك المجتمعات. وبعبارة أخرى، هناك علاقة وثيقة ومباشرة بين شدّة الاستعمار اللغوي الفرنسي وميلاد الثنائيّة اللغويّة الأمّارة واستمرارها قويّة بعد الاستقلال في المجتمعات المغاربية، بسبب استحواذ نفوذها بنوع من الاستلاب النفسي/ الداخلي الذي لم تستطع التحرّر منه بخاصة النخب السياسية والثقافية لتلك المجتمعات. وبالتالي، فالثنائيّات اللغوية الأمّارة في المغرب العربي هي نتيجة لعمليّتين مترابطتين: استعمار لغوي ثقافي فرنسي شديد المراس، وحضور قوي لذلك الاستعمار الفرنسي في الشخصية القاعدية المغاربية أثناء الاستعمار وبعد رحيله. ومنه، فتأثير الاستعمار اللغوي الثقافي الفرنسي لا يقتصر لدى المغاربيّين على قبولهم بهيمنة الثنائيّة اللغويّة الأمّارة على سلوكيّاتهم اللغوية ورضاهم بها، وإنما يؤثّر كذلك في حالات كثيرة على انتمائهم إلى الهويّة العربيّة الإسلاميّة، كما يتجلّى الأمر عند عدد لا يُستهان به من المثقفين والمتعلّمين المغاربيّين أصحاب الثنائيّة اللغويّة الأمّارة. فالملاحظات الميدانية المتكرّرة تفيد أن التذبذب والالتباس يسيطران على الانتماء الهويّاتي عند كثير من هؤلاء المغاربيّين. وليس ذلك الوضع بعجيبٍ وغريبٍ من منظور العلوم الاجتماعية. فالثنائيّة اللغويّة والثقافيّة مرشّحة، في رؤية دوركايم، لكي تؤدّي إلى حالة من الـ "أنومي" أو الـ "أنوميا"(anomie) في الانتساب الهويّاتي(الـ "أنومي" أو الـ "أنوميا" هو مصطلح استخدمه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم لوصف وضع اجتماعي يعاني من فقدان القيم، من دينية وأخلاقية ومدنية وغيرها، ويعاني الأفراد فيه من عدم الاستقرار والاغتراب).

أما جذور الثنائيّة اللغويّة في مجتمعات الخليج العربي فهي تختلف عمّا رأيناه في مجتمعات المغرب العربي. فالاستعمار الإنجليزي لم يهتم كنظيره الفرنسي في المغرب العربي بتعليم لغته لسكّان المجتمعات الخليجية. ومن ثمّ، فلا تكاد توجد ثنائيّة لغويّة خليجية في الفترة الاستعمارية البريطانية. ويرجع هذا أساساً إلى أن الاستعمار الإنجليزي لا يعطي أولويّة للاستعمار اللغوي الثقافي كما هو الأمر عند الاستعمار الفرنسي. يُلاحظ هذا ليس في المجتمعات الخليجية والمشرقية العربية فقط، بل في مقاطعة كيباك الكنديّة أيضاً، التي خضعت هي الأخرى للاستعمار الإنجليزي. فسكّان هذه المقاطعة المتحدّثون بالفرنسية لم يعانوا من آثار الاستعمار اللغوي الثقافي الإنجليزي كما عانى ويعاني أهل المغرب العربي من قسوة الاستعمار اللغوي الثقافي الفرنسي. فأغلبية مواطني كيباك لم تعرف ظاهرة الثنائيّة اللغويّة الأمّارة كما هو الحال في الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا. وهكذا يجوز القول إن الأغلبية الساحقة من أهل الخليج العربي عرفت الثنائيّة اللغويّة اللوّامة في عهد الاحتلال البريطاني لها.

وبسبب الطفرة النفطية في المجتمعات الخليجية منذ أكثر من ثلاثة عقود، شرعت الحكومات والسلطات الخليجية في تبنّي سياسات واسعة لتعلّم اللغة الإنجليزية، الأمر الذي عزّز تبلور معالم الثنائيّة اللغويّة الأمّارة في المجتمعات الخليجية العربية. إذ لم يعد للغة العربية فيها أولوية الاستعمال في ميادين وقطاعات حديثة عدّة. وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى الثنائيّة اللغويّة في مجتمعات الخليج على أنها ثنائيّة لغويّة أشدّ قسوة على اللغة العربية من مجرد الثنائيّة اللغويّة الأمّارة، الأمر الذي يُنبئ بإمكانية ظهور أجيال خليجية جديدة في المستقبل تسيطر عليها الثنائيّة اللغويّة الأمّارة، أي السيّئة العواقب على لغة الضاد، لغة تلك الشعوب، وعلى تماسك هويتها العربية وانتمائها المتجذّر إلى بوتقة الحضارة العربية الإسلامية. فعلوم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا ترى في لغات الشعوب وثقافاتها أدوات محرّكة وشاحنة لشخصيات أفراد المجتمعات بخزينة من المهارات والطاقات الضخمة التي يمكن أن تتحدّى الصعوبات كلّها. ومن هذا المنظور، فإن مَن خسر لغته وثقافته يكتب غيرُه معالمَ مستقبله ومسيرته. وهذا ما يعبّر عنه قول الكاتب دايفس "شعبٌ من دون لغته الأصلية ما هو إلا نصف أمة. لذا ينبغي على الأمّة حماية لغتها أكثر من حمايتها لأراضيها. يمثّل ذلك أمتن وأهمّ حاجز حامٍ لحدودها من الغابة أو النهر". فتجربة نهضة اليابان وكوريا الجنوبية والصين اليوم مثال بليغ على مدى تقيّدها بحكمة ذلك القول.

الآثار النفسية والاجتماعية للثنائيّة اللغويّة المتوحّشة

تتجلّى بعض معالم الثنائيّة اللغويّة الأمّارة في نظام التعليم في معظم بلدان الوطن العربي. فالتدريس يتمّ في مرحلة من المراحل بلغتين: اللغة العربية واللغة الأجنبية: الإنجليزية أو الفرنسية. فمثلاً يدرس التلميذ العربي العلوم باللغة العربية في المرحلة الابتدائية والإعدادية، ثم يدرس تلك العلوم في المرحلة الثانوية- كما هو الحال في تونس- أو الجامعية كما هو الأمر في معظم بقيّة المجتمعات العربية باللغة الفرنسية أو الإنجليزية. وهذا ما يسمّى بالثنائيّة اللغويّة المُقصية للغة الوطنية. أي أن تدريس العلوم يلغي بالكامل استعمال اللغة العربية. فلقد أرجع بعض الدارسين المغاربيّين هذا الوضع إلى ما يُسمّى بالثنائيّة اللغويّة المتوحشة (Le bilinguisme sauvage (Fitouri: 1983  في المغرب العربي، التي خلقت معوقات نفسية اجتماعية ليست في صالح التعريب في المجتمعات المغاربية الثلاثة. وتصف نازلي معوض أحمد أن الاستعمار الفرنسي قد زال بشكليْه السياسي والعسكري من بلاد المغرب العربي، ولكنّه استطاع بمناوراته الإدارية واللغوية أن يُحدِث تشوّهات اجتماعية غائرة في البنيان الاجتماعي والنفسي داخل أقطار المغرب العربي، تقوم دوماً بعرقلة مسيرة التعريب بعد استتباب الاستقلال السياسي. فالمستعمر الفرنسي قبل رحيله تمكّن من السيطرة على عقلية الصفوة الوطنية وقادة الرأي العام في البلاد وتمكّن من احتكار ولائها وانتمائها الثقافي لمصالحه. وهذا ما تقلّ الإشارة إليه، ناهيك بتحليله في كثير من أدبيات الثنائيّة اللغويّة المنشورة في الغرب. فمثلاً، يُنظر إلى الاستعمار كمجرد عامل بسيط لإنشاء الثنائيّات اللغويّة في المجتمعات من دون الحديث عن الجوانب النفسية والاجتماعية التي تعكسها سلوكيات أفراد الشعوب المستعمَرة وطبقاتها لصالح لغات المستعمرين. كما يبرز ذلك مفهوم الثنائيّة اللغويّة الأمّارة. ومن ثمّ، فلا تشخيص لأعراض مركّبات النقص التي تُلاحظ على السلوكيات اللغويّة للناس المستعمرين إزاء لغاتهم الأصلية أثناء الاستعمار وبعد رحيله. فتلك الأعراض تصبح جزءاً من الشخصية القاعدية النمطية لأفراد بعض الشعوب التي عانت من الاستعمار.

*أستاذ علم الاجتماع- جامعة تونس

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف