الترجمة بين جمال الأسلوب ورشاقة اللفظ

 

محمد أنيس مورو*


الترجمة مجال يعسر على الكثيرين اقتحامه، فهي ممارسة تضع موضع التطبيق عصارة سنوات من المجاهدة والمصابرة في الاطلاع على أمهات الكتب من أجل تكوين رصيد لغوي ومعرفي متميّز يسمح باستحضار المُكافِئات اللغوية والأسلوبية عند الترجمة. كما أن مهمة المترجم شاقة مضنية، لأنه مُكبّل بمعنى النصّ الأصلي وبمبناه، الأمر الذي يجعل خياراته ضئيلة، مقارنةً بمن يكتب نصّاً أصلياً. إذ لا يستطيع المترجم أن يطلق العنان لخياله، ولا أن يتصرّف في مضمون النصّ الأصلي. ولو فعل ذلك لعُدَّ صنيعه خيانة وتحريفاً. فما الضّرر الذي قد ينجرّ عن "التضحية" بنزر من الدلالة في سبيل جمالية النصّ؟

يُعَدُّ مبحث الجمالية مبحثاً عريقاً في الفكر الإنساني، فقد سال حبر كثير حول شروط الجمالية في الأدب والشعر والرسم والموسيقى ونحو ذلك. وعلى الرغم من تحديد الكثير من هذه الشروط، فإن الجمالية تبقى أحياناً مسألة ذوقية وجدانية يستشعرها الفرد، ولكنه لا يستطيع أن يرسم معالمها رسماً دقيقاً. ويرى البعض أن جمالية التعبير تبدأ حين تتنصل الكلمات جزئياً من وظيفتها في نقل المعنى، لتغدو خادمة لنفسها، أي حين تتحوّل الكلمات من مجرد ناقل للأفكار إلى مفجّر للأحاسيس.

في البداية لا بدّ من أن نشير إلى أن أول شروط الجمالية هو تفادي الأساليب التي قد تُقوّض الجمالية ذاتها. فمن أسباب جمال المفردة ألا يكون طول الاستعمال قد ابتذلها، فمَجَّها الذوق، وكرهها السمع. كما يجدُر بمن يرنو إلى إبداع نصوص خارجة عن المألوف، أن يتفادى بعض العبارات الشائعة في الصحف من قبيل "بشكل جيد"، وبصفة حسنة"، وبصورة سيئة"، ونحو ذلك مِمَّا يُترجم به الحال الفرنسي والإنجليزي (adverb) على سبيل المثال. فهي عبارات تعكس خمولاً فكرياً، وإعراضاً عن الاجتهاد والتنقيب عمّا تكتنزه العربية من مُكافِئات لفظية وأسلوبية. وتفادياً لمثل هذه العبارات الركيكة، المفتقرة لأيّ حسّ إبداعي، يمكن استعمال المفعول المطلق، أو شبه الجملة المفسرة في ترجمة الحال، كما يوضحه المثالان التاليان:

ابتسمت ابتسامة أخّاذة وقالت…                         Charmingly she smiled and said…
وقادها حدسها إلى محاولة كسب الوقت                She intuitively played for time…

لاحِظْ كيف أن المترجم لا يكتفي بإيجاد مخارج رشيقة لترجمة ما استشكل من كلمات، ولكنه يضيف مسحة من الجمالية بتوظيف المتلازمات اللفظية. ويجرّنا هذا إلى الحديث عن أهمّ شرط من شروط الجمالية، وهو استعمال الألفاظ والتعابير والأساليب التي تُحدث صدمة إيجابية في نفس القارئ، مثل المتلازمات اللفظية والعبارات الاصطلاحية والمأثور من الألفاظ القرآنية والتراثية.

المتلازمات اللفظية: يُعَدُّ استخدام المتلازمات اللفظية من بين الوسائل التي تُسهم أيما إسهام في إعطاء النصّ المُترجَم إيقاعاً متميّزاً يُخرِجه من الرتابة، ويضفي عليه السلاسة. والمقصود بالمتلازمات اللفظية تكرر اقتران كلمتين أو أكثر من خلال شيوع الاستخدام، بحيث تميل تلك الكلمات إلى تشكيل وحدة مميّزة. نلاحظ على سبيل المثال هذه الرسالة التي أرسلها الأديب الفرنسي غوستاف فلوبير (Gustave Flaubert) إلى أمه بعد سفره، وقد سطّرنا المتلازمات اللفظية التي استعملناها في ترجمتها:

عزيزتي العجوز المسكينة، لا شك أنك تغطّين                                              Tu dors sans doute maintenant, pauvre
في النوم الآن بعد ليلة ذرفت فيها أنهاراً من                                              vieille chérie. Comme tu as dû pleurer ce
الدموع مثلي. أخبريني عن أحوالك، ولا                                                 soir, et moi aussi,  va !  Dis-moi comment
تُخفي عني شيئاً. لكِ أن تصوّري،                                                            tu vas,  ne me cache rien. Songe, pauvre
عزيزتي الطيّبة، كم سينهشني عذاب                                                                  vieille, que ça me serait un remords
الضمير إذا تسببتْ لك هذه السفرة                                                       épouvantable  si  ce  voyage  te faisait  trop
بضرر أو أذى (…). وأنتِ؟ كيف                                                                         de  mal (…). Et toi ? Écris-moi des
حالك؟ اكتُبي إليَّ أطناناً من الورق،                                                                         volumes, dégorge-toi. Adieu,  je
فضفضي لي. وداعاً، أطبع على وجنتك                                                     t’embrasse  de  tout  mon cœur plein de
قبلة من أعماق قلبي المفعم بحبك (ترجمتنا).                                                                                                                        .toi

الألفاظ والأساليب القرآنية: تُعدّ القدرة على استثمار الألفاظ القرآنية مؤشراً على ثراء الزاد اللغوي أو فقره. ولمَّا كانت العبارات القرآنية ذات أثر ساحر في نفس القارئ، فإن الكثير من المترجمين يميلون إلى استعمال تلك الألفاظ تنميقاً لترجماتهم، وإظهاراً لبراعتهم.

 البدائل الرشيقة: إن المُتمعِّن في كتابات كبار المترجمين والكُتّاب سيلاحظ دونما شك تفرّد أسلوبهم واختصاصهم بأشكال تعبيرية تختلف عمّا نجده لدى غيرهم. وممّا يُلاحظ في هذا الصدد، ميل الكثير من الكتّاب المدركين لأهمية الحفاظ على الانتظام الداخلي للغة، إلى استعمال اصطلاحات عربية أو معربة بدلاً من الاصطلاحات الدخيلة. فإن احتواء نصّ ما على الكثير من الألفاظ الدخيلة، يفضي إلى نشوء نشاز صوتي وصرفي، وإلى شق تناسق الرصيد المعجمي. ومن البدائل الأنيقة (elegant variants)، نذكر مصطلح "تِقانة" المرادف ﻠِ "تكنولوجيا" الدخيل، ونحن هنا لا نقيم تحليلنا على أساس العداء للألفاظ المقترضة بقدر ما نرتكز على معطيات نفسية تتعلق بالأثر الذي تتركه الكلمة في القارئ.

 ومن بين الأمثلة على ذلك أيضاً استعمال الصفة "شَرُوب" البديل الأنيق للصفة "صالح للشراب"، وصَهير بدل "قابل للانصهار"، وانضغاطي بدل "قابل للضغط"، وكلها اصطلاحات جمعت بين براعة التوليد والاختزال البليغ. والفرق واضح عند من ألِفت أذنه الألفاظ الرشيقة، وصار يَمِيّز "الخبيث" من الطيب.

 البدائل التراثية: يميل الكثير من المترجمين والكُتَّاب إلى تنميق كتاباتهم بالألفاظ التراثية ممّا تحفل به كتب السلف، رغبة منهم في التفرّد والتميّز عن غيرهم مِمَّن يكتفون بالسائد والمألوف من الألفاظ والأساليب. من هنا يجنح البلغاء إلى اصطناع كل وسيلة لمباغتة المتلقي بالجديد، وكأن المبدأ القائل إن "لكل جديد روعة"، ينسحب على اللغة نفسها. ولنلاحظ في المثال التالي، كيف يستعيض الكاتب عن لفظ شائع بلفظ تراثي نادر الاستعمال: "ولم يُعْنَ القدماء بالمعاجم العربية المختصّة العناية التي هي بها جديرة، فبقيت في البحث اللغوي العربي باباً غُفْلاً ومبحثاً بكراً". ولم يكتفِ الكاتب هنا بإيراد لفظٍ ندر استعماله في العربية المعاصرة (غُفْلا)، بل أنهى جملته بمركب عطفي تشابهت بنيةُ عُنصُرَيْهِ التركيبيةُ الصرفيةُ والصوتيةُ فيما يشبه الترصيع.

 العبارات الاصطلاحية: هي عبارات جاهزة، لا يؤدي فهم دلالة عناصرها منفردة إلى فهم دلالتها، بل يجب أن يكون المتكلم عارفاً بمعناها مسبقاً، أو أن يراجع القواميس ليفهمها. وكما المتلازمات اللفظية، تكتسي العبارات الاصطلاحية أهمية بالغة في إضفاء الجمالية على النصوص بفضل الإيقاع المخصوص الذي تحدثه،  فتسهم  في متانة النصّ وحسن تقبل القارئ له.

 المكافئات الثقافية: تُعد القدرة على الانسلاخ من قيود النصّ المنطلق، مظهراً من مظاهر البراعة لدى المترجم. يتعزّز ذلك حين يكون المترجم قادراً على استحضار المكافئات الأسلوبية للتعبيرات ذات العلاقة بالثقافة المخصوصة لكاتب النصّ الأصلي. وممّا يحضرنا في هذا المقام، عبارة "a heart-warming story "، التي تشير بوضوح إلى ارتباط الشعور بالسعادة عند البريطانيين بالدفء. فعلى المترجم ألا يقع في فخ النقل الحرفي للعبارة، ذلك أن العربي قاطن البيئة الصحراوية القاحلة، لا يمكن أن يربط الشعور بالسعادة عنده بالدفء، بل بنقيضه، أي البرد. ولذلك فقد ابتدع العرب عبارة اصطلاحية تراعي ثقافتهم للتعبير عن ذلك وهي "يُثْلِج الصدر".

 إن تحديد شروط جمالية الأسلوب مهمّة بالغة الصعوبة، لأن الجمالية وثيقة الارتباط بالذائقة اللغوية للأفراد كما الجماعات. ولكن يبدو أن بعض تلك الشروط تلقى إجماعاً لدى الكثيرين، وهي تجنّب الركيك من الألفاظ والمُكرَّرِ منها، ومخالفة السائد من التعابير، وتوظيف المتلازمات اللفظية والعبارات الاصطلاحية، واستلهام الأسلوب القرآني والنهل من معين التراث. ولا يفوتنا أن ننوّه بأهمية تفادي الإكثار من الألفاظ الدخيلة، لأنها تفسد التناسق الصوتي والانتظام الصرفي للرصيد المعجمي، باعتبارهما خصّيصتين مميّزتين للغة العربية. ولكن ينبغي التنبيه مع ذلك، إلى أن الكثيرين يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً بالتمادي في التنميق وبالمبالغة في حشو السطور بالبذخ اللفظي، الأمر الذي قد يُشعِر القارئ بأن الترجمة مُتكلَّفة، مُصطنَعة، فاقدة للتلقائية، وحينها سيذهب اجتهادهم هباء منثوراً.

* مترجم وباحث تونسي

  • للإشتراك

  • أحدث المقالات

  • كلمات مترددة

  • الأرشيف